الصفحة 3 من 22

ورحم الله الشوكاني إذ يقول: «ها هنا تُسكب العبرات ويُنَاح على الإسلام وأهله بما جَنَاه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا لِسنة ولا لقرآن ولا لبيان من الله ولا لبرهان، بل لَمَّا غَلَتْ مَرَاجل العصبية في الدين وتمكَّن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين لَقَّنَهم إِلزامات بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسّراب بقيعة، فيالله وللمسلمين من هذه الفاقرة التي هي من أعظم فواقر الدين والرزية التي ما رُزئ بمثلها سبيل المؤمنين! وأنت إن بقي فيك نصيب من عقل وبقية من مراقبة الله -عز وجل- وحصّة من الغيرة الإسلامية؛ قد علمت وعلم كل من له علم بهذا الدين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن الإسلام، قال في بيان حقيقته وإيضاح مفهومه: إنه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وشهادة أن لا إله إلا الله، والأحاديث بهذا المعنى متواترة، فمن جاء بهذه الأركان الخمسة، وقام بها حق القيام فهو المسلم على رغم أنف من أبَى ذلك كائنًا من كان، فمن جاءك بما يُخالف هذا من ساقط القول وزائف العلم بل الجهل فاضرب به في وجهه، وقل له: قد تقدم هَذَيانك هذا برهان محمد بن عبد الله.

دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْد قَوْلِ مُحمدٍ

فَمَا آمِنٌ فِي دِينِهِ كَمُخَاطِرِ.» اهـ [السيل الجرار 4/ 584] .

والعجب العجاب أن جماعة الدولة كفَّرت الفصائل ثم استحلت دماءهم وأموالهم، ثم إنها لما فعلت ذلك وكفرت أعيانهم؛ استخدمت معهم كل الأساليب لإبادة خضرائهم، كما أنها جعلت تكفير تلك الفصائل بابًا لتكفير جبهة النصرة؛ لأن النصرة لم تكفر تلك الفصائل وهي تقاتل معهم، وعندما دفعت النصرة بغي جماعة الدولة وكان معها الأحرار والجبهة الإسلامية فرحت جماعة الدولة باعتقادها الفاسد، وراحت تروج لأحكامها الباطلة بأن النصرة كفرت بسبب موالاتها الكفار؛ ثم غرروا بأفرادهم وأرسلوهم ينتحرون بالمفخخات والأحزمة والقنابل؛ ففجروا أنفسهم على حواجز المجاهدين في دير الزور وحلب وإدلب والرقة وغيرها، ونحن لا نستغرب هذا؛ لأنهم من قبل كفروا إخواننا في النصرة والأحرار في الرقة، وأجهزوا على جرحاهم بالمشافي، وقتلوا أسراهم وأدخلوا المفخخات على مقرات النصرة والأحرار بمباركة من البنعلي والحطاب التونسي، ولله در الشيخ الحدوشي عندما قال: إن الحطاب ما دخل ساحة إلا أفسدها، وها هي مأساة الجزائر كأنها تُعاد فصولها من جديد؛ فأنصح مناصري جماعة الدولة في الشام وأفرادهم أن يعودوا إلى ما كتبه الشيخ أبو مصعب السوري في شهادته على التجربة الجزائرية، فإنهم لا بد أن يرجعوا كثيرًا للوراء، وإن ما تفعله جماعة الدولة لا يختلف كثيرًا عما حصل في الجزائر، وما أشبه الحال بالحال، وما أوضح الأمر لمن تفكر مخلِّصًا قلبه من علائق الهوى وكل نفس ذات هوى؛ فأنت ترى أنه لم يؤيد الدولة عالم معتبر، ولا قائد من قادات الجهاد إلا من حمل فكرهم ومنهجهم، بل إن جميع العلماء والدعاة والخيرين وقادة الجهاد لم يرضوا بأفعال الدولة؛ مما دفع القيادة العامة لتنظيم قاعدة الجهاد إلى البراءة من جماعة الدولة وأفعالها بعد حلم كبير وصبر طويل، وكان هذا الأمر ليكون هذا قبل مدة طويلة؛ لكنها براءة جاءت متأخرة، وعذر جماعة قاعدة الجهاد لائح، لأنَّا نعلم أن كثيرًا من الأمور ما كانت تصلهم من قبل كما تصلهم هذه الأيام بشكل واضح، وأن انفتاح الساحة الإعلامية أزال كثيرًا من اللبس عن الأمة والمجاهدين في ساحات الجهاد الأخرى.

وعليه فإننا ننصح إخواننا في العراق الذين ما يزالون مع جماعة الدولة ممن نحسبهم والله حسيبهم أصحاب مقاصد حسنة، أن يعيدوا النظر في طريقهم، أين يذهبون، وإلى أين تسير تلك الجماعة التي بنيت على الأشلاء ورويت بالدماء، فلا يجعلوا تضحية تلك السنين تذهب هدرًا، ولا بد من النظر إلى قيادة جماعة الدولة التي لم تترك صاحبًا ولا صديقًا بل عادت جميع الناس، وليراجعوا خطابات الناطق الرسمي العدناني الذي يعرف غالب الإخوة الأفاضل؛ من هو؟ وما منهجه ومضمون كلامه؟ والخلاصة أنه يعتبر جميع الناس صحوات، ويقول إن أبناء الدولة شرابهم الدماء وأنيسهم الأشلاء، وغير هذا مما تنكره الفطر السليمة، وقبل ذلك جعل الإخوان شرًا من العلمانين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت