الصفحة 4 من 22

وهنا نسأل سؤالًا: هل عوام الإخوان عندك يأخذون نفس حكم عوام العلمانين؟ وهل بُعد الإخوان عن الشرع كبعد العلمانيين؟ وهل من يطلب الشرع فيخطئه مهما ضل عنه؛ كمن يستدبر الدين ويستعلي على رب العالمين؟ إن هذه الإطلاقات الهوجاء، لا تدل على رجل عاقل فضلًا عن مستقيم على الشرع.

وقد رد الشيخ الأسير أبو محمد المقدسي على مثل هذا الكلام الطائش في رسالته «الإنصاف حلة الأشراف» فقال -فك الله أسره-:

«فهل قول من قال بعد نكبة الإخوان في مصر بأن «الإخوان شر من العلمانيين والمرتدين» عدل وإنصاف!؟ وهل من يطلق مثل هذه الإطلاقات على عواهنها -إذا لم يتق الله ويضبط نفسه- بالقول السديد: قادرٌ على أن ينصف الناس ويحكم بينهم بالعدل إذا ما تسلم زمام الأمور، وفي الناس من العوام والعصاة والخاطئين والمخالفين والفساق وغيرهم ممن هم شر من الإخوان!؟

إن من تابع ما فعله علمانيو مصر بالإخوان المسلمين -رجالهم ونسائهم، شيبهم وشبابهم- ورأى عدواتهم للإسلام بل حتى لاسمه، وحربهم للشريعة بل حتى لرسمها، ليعلم أن مثل هذه الإطلاقات والتصريحات النارية؛ تصريحات ظالمة لم يراعِ من أطلقها حرمة هؤلاء المسلمين وحقهم، ولا راعى مصابهم ونكبتهم التي يمرون بها، وساوى بين من يحاربون دين الله ولا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة، وبين المسلم الطائع أو العاصي، وليس هذا من العدل والميزان الذي قامت به السموات والأرض.

فلتعلم الدنيا كلها أننا لا نُكفِّر الإخوان المسلمين، بل هم عندنا مسلمون وإن خالفونا في كثير من المسائل بعضها في المنهج والأصول؛ فهم وأتباعهم وأنصارهم ومُؤيدوهم بالألوف على مراتب شتى، فيهم العالم وفيهم الجاهل، وفيهم المطيع وفيهم العاصي، وفيهم المتعلم وفيهم العامي، ومنهم من تلطخ ببعض نواقض الإسلام من حكم بغير ما أنزل الله أو مشاركة في التشريع، أو أقسم على احترام الدساتير الكفرية أو أثنى على القوانين الوضعية وقُضاتها ومحاكمها، ومنهم من لم يقارف شيئًا من ذلك، وكلّ يُعامَل بما يستحقه، ولا يجوز أن يُتجاوز فيهم حدود الله بأن يُعامَلوا جميعهم بمعاملة من نراه قد قارف بعض النواقض، فيؤذى الخليُّ منها بجريرة المتلطخ بها، فليس هذا من العدل في شيء، خصوصًا وأنهم ليسوا طائفة محاربة ولا ممتنعة بشوكة، بل هم طائفة مُحَارَبة - بفتح الراء- لأجل ما عندها من إسلام ودين، فلا يجوز -والحالة كذلك- أن نعصي الله فيهم وإن عصوه فينا، ولا أن نبهتهم وإن بهتَنا بعضهم وظلمونا ووصفونا بالإرهابيين أو التكفيريين، فلا نظلمهم وإن ظلمونا، بل نطيع الله فيهم وإن عصوه فينا، ونتّقيه في العدل معهم والإنصاف وإن ظلَمنا بعضهم ولم يتق الله فينا.

هكذا يجب أن تكون صبغة تيارنا، وهكذا ينبغي أن يكون نهج أبنائه وأخلاق قادته ومشايخه ومرجعياته، فهم أحقُّ الناس بالعدل في الناس إذ يظلمهم الناس، وهم أولى الناس بإنصاف الناس إذ يبهتهم الناس؛ لأن من تجرع الظلم ينبغي أن يكون من أشد الناس بغضًا له وفرارًا من التخلق به، ومن ذاق ويلات الافتراء عليه ولظى بهتانه من الخصوم الظلمة والأنظمة المفترية الكافرة، ينبغي أن يكون من أبعد الناس من خلق الافتراء والبهتان، وأبغضهم لهذه الأخلاق، وأحرصهم على العدل والإنصاف.

هكذا هو ديننا، وهذه هي أخلاقنا؛ نعامل الناس بها ولا نعاملهم بخلقهم هم، وليس من المروءة ولا من الرجولة أن نشمت بمخالفينا من المسلمين في مصابهم وتسلط أعداء الله عليهم وانتهاكهم لحرماتهم، فمن عاداهم لإسلامهم الذي يصفه بالمعتدل، هو أشد عداوة لنا ولإسلامنا الذي يصفه بالمتطرف والمتشدد والإرهابي، ومن وقع تحت أيدي وألسنة أعداء الله من أبناء هذا التيار؛ يقدر ما أقول ويعرفه حق المعرفة. وإن من أوثق عرى الإيمان التي تعلمناها وما فتئنا نُعلّمها وندعو إليها؛ أن يوالى المسلمون كلُّ بحسب ما يستحقه من الموالاة؛ بحسب قربه من الدين وطاعته، وأن نفرق بين المسلمين والمجرمين، وأن نُميّز بين أهل الإسلام وأعداء الإسلام، وحتى العصاة والفجار من المنتسبين للإسلام لا نظلمهم أو نتجاوز فيهم حدود الله، فللفاسق الملي حق من الموالاة والنصرة»

انتهى كلام المقدسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت