الصفحة 6 من 22

قال الشيخ أبو عمر عبد الحكيم حسان: «فإن من الأمور الخطيرة والعظيمة المحرمة في دين الله تعالى رمي المسلم بالكفر دون أن يستحقه، فإن دم المسلم وعرضه وماله حرام، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كل المسلمِ على المسلمِ حرام دمُهُ ومالُهُ وعرضُهُ) ، وهذا واضح أيضًا في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) قد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- الخطر العظيم في تكفير المسلم في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله) ، وعن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: (ما من مسلمين إلا وبينهما ستر من الله، فإذا قال أحدهما لصاحبه هجرا هتك الله ستره، وإذا قال يا كافر فقد كفر أحدهما) »

وقال: «والإقدام على تكفير المسلم بغير مقتضى لذلك فيه كثير من المحاذير التي ينبغي على من أراد السلامة أن يحذرها، ومن هذه المحاذير: القول على الله بغير علم، والأصل أن لا يتكلم الإنسان في شيء من أمور الشريعة إلا بعلم وعدل، فإن هذا وإن كان مأمورًا به مطلقًا فهو في هذا الباب أوجب، وكما أن الإنسان لا يجوز له أن يثبت شيئًا إلا بعلم، فلا يجوز له أن ينفى شيئًا إلا بعلم أيضًا، وقد قال الله -تبارك وتعالى-: {قل إنما حرمَ ربي الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تُشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ، وقال تعالى: {ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك كان عنه مسئولا} ، وذلك أن التكفير حق محض لله تعالى لا ينبغي الإقدام عليه إلا بدليل شرعي منزل من عند الله تعالى، فلا يملك أحد الإقدام عليه إلا بإذن من الله تعالى وقد أكد علماؤنا الكرام على ما قلناه هنا» .

انتهى باختصار من كتابه: «عظم الكلام في مسائل الإيمان والكفر - وسنورد هنا شيئًا مما جاء في كتابه من نصوص العلماء في مسألة التكفير» .

يقول أبو محمد ابن حزم -رحمه الله تعالى-: «لا نسمي في الشريعة اسمًا إلا بأن يأمرنا الله تعالى بأن نسميه أو يبيح لنا الله بالنص بأن نسميه، لأننا لا ندري مراد الله -عز وجل- منا إلا بوحي وارد من عنده علينا، ومع هذا فإن الله -عز وجل- يقول منكرًا لمن سمى في الشريعة شيئًا بغير إذنه -عز وجل-: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى * أم للإنسان ما تمنى} ، وقال تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} ، فصح أنه لا تسمية مباحة لملك ولا لإنس دون الله تعالى، ومن خالف هذا فقد افترى على الله -عز وجل- الكذب وخالف القرآن، فنحن لا نسمي مؤمنًا إلا من سماه الله -عز وجل- مؤمنًا، ولا نسقط الإيمان بعد وجوبه إلا عمن أسقطه الله -عز وجل- عنه» . اهـ [الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/ 191) ] .

ونقل القاضي عياض -رحمه الله- في فصل: تحقيق القول في إكفار المتأولين؛ عن العلماء المحققين قولهم: «إنه يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم واحد» . اهـ من [الشفا في حقوق المصطفى للقاضي عياض (2/ 277) ] .

وللغزالي -رحمه الله- كلمة قريبة من هذا النص في «فيصل التفرقة» حيث قال: «والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد له سبيلا؛ فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد» . اهـ

ونقل الحافظ ابن حجر -رحمه الله- عن القرطبي أنه قال في المفهم: «وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئا» . اهـ [فتح الباري (12/ 301) ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت