وقال الإمام وهب بن منبه -رحمه الله تعالى-: «فوالله ما كانت للخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم، وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه، وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج، ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم لفسدت الأرض، وقطعت السبل، وقطع الحج إلى بيت الله الحرام، وإذن لعاد أمر الإسلام جاهلية، حتى يعود الناس يستعينون برؤوس الجبال كما كانوا في الجاهلية، وإذن لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلًا ليس منهم رجل إلا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضًا، ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح الرجل المؤمن خائفًا على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله، لا يدري أين يسلك أو مع من يكون، غير أن الله بحكمه وعلمه ورحمته نظر لهذه الأمة فأحسن النظر لهم، فجمعهم وألف بين قلوبهم على رجل واحد ليس من الخوارج ... إلخ» [رسالة مناصحة وهب بن منبه لرجل تأثر بمنهج الخوارج - ص 17] .
وقال العلامة الشيخ سليمان بن سحمان: «ومن علامات صاحب البدعة: التشديد، والغلظة، والغلو في الدين، ومجاوزة الحد في الأوامر والنواهي، وطلب ما يعنت الأمة ويشق عليهم ويحرجهم ويضيق عليهم في أمر دينهم، وتكفيرهم بالذنوب والمعاصي إلى غير ذلك مما هو مشهود مذكور من أحوال أهل البدع» ا. ه [منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع - ص26]
وقال صديق حسن خان -رحمه الله-: «قال الإمام الشوكاني في السيل الجرار: اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببينة أوضح من شمس النهار» ا. هـ [الروضة الندية شرح الدرر البهية لصديق حسن خان (ص 291) ، والنص بكامله موجود في السيل الجرار للشوكاني (4/ 578) ] .
وقال ابن حزم -رحمه الله-: «ومن تأول من أهل الإسلام فأخطأ، فإن كان لم تقم عليه الحجة، ولا تبين له الحق، فهو معذور مأجور أجرًا واحدًا لطلبه الحق وقصده إليه مغفور له خطؤه، إذ لم يتعمده لقول الله تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} ... »
إلى أن قال ابن حزم:
«فإن عاند الحق معارضًا لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر مرتد حلال الدم والمال، لا فرق في هذا بين الخطأ في الاعتقاد أو في أي شيء كان من الشريعة، وبين الخطأ في الفتيا في أي شيء كان على ما بيَّنا قبل» ا. هـ[الفصل في الملل والنحل (4/ 24) ، وراجع الفصل (4/ 25، 105) ، الإحكام (5/ 117 - 118) . [
وذهب أبو المعالي -وكان سُئل أن يقرر شيئًا في التكفير- إلى الاعتذار؛ لأن الغلط فيها يصعب، لأن إدخال كافر في الملة، أو إخراج مسلم منها عظيم في الدين، ذكر ذلك القاضي عياض ثم قال: «وقال غيرهما [أي غير الأشعري والجويني] من المحققين: الذي يجب هو الاحتراز من التكفير في أهل الأهواء، فإن استباحة دماء الموحدين خطر، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك مَحْجَمة من مسلم واحد، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: (فإذا قالوها -يعني الشهادة- عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى) ، فالعصمة مقطوع بها مع الشهادة، ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع» ا. هـ [من شرح الشفا للقاضي عياض (2/ 500 - 501) ] .
وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «إن المتأول الذي قصده متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يكفر ولا يفسق، إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، أما مسائل العقائد فكثير من الناس كفر المخطئين فيها، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، إنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية، ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم» [منهاج السنة النبوية5/ 239 - 240] .