وقال عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ -رحمه الله-: «والتجاسر على تكفير من ظاهره الإسلام من غير مستند شرعي ولا برهان مرضي يخالف ما عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة، وهذه الطريقة هي طريقة أهل البدع والضلال» ا. هـ [الرسائل المفيدة (ص33) ، راجع كلام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الدرر السنية ج8/ 217] .
وقال عبد الله أبا بطين -رحمه الله-: «وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه أعظم أمور الدين، وقد كفينا بيان هذه المسألة كغيرها، بل حكمها في الجملة من أظهر أحكام الدين؛ فالواجب علينا الاتباع وترك الابتداع كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وأيضًا فما تنازع العلماء في كونه كفرًا فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم، وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة فقصّر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفّروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم، ومن العجب أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة أو البيع ونحوهما لم يفت بمجرد فهمه أو استحسان عقله؛ بل يبحث عن كلام العلماء ويفتي بما قالوه، فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم الذي هو أعظم أمور الدين وأشد خطرًا على مجرد فهمه واستحسانه، فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين ومحنته من تينك البليتين، ونسألك اللهم أن تهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين وصلى الله على محمد» ا. هـ [الدرر السنية (8/ 217) ] .
وقال ملا علي القاري -رحمه الله-: «وقد قال علماؤنا: إذا وُجد تسعة وتسعون وجهًا تشير إلى تكفير مسلم، ووجه واحد إلى إبقائه على إسلامه فينبغي للمفتي والقاضي أن يعمل بذلك الوجه، وهو مستفاد من قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة) رواه الترمذي وغيره والحاكم وصححه» ا. هـ [شرح الشفا لملا علي القاري (2/ 502) ] .
وبعد هذه المقدمة سنورد أقوال العلماء فيما يتعلق بالمقاتل تحت راية كفرية لدفع الكفار، وهي دالة بالأولوية على بطلان تكفير من قاتل تحت راية سنية، أو إسلامية فيها نقص، وهؤلاء يكفرون المقاتلين تحت هذه الرايات بمجرد الشبهات والأوهام وما لا يثبت به أقل الأحكام الشرعية، فكيف بأجلِّها؟ كالتكفير بأخبار الكفار والفسقة، كالتكفير بأخبار صحف الكفار، بل وتكفير أمم من الناس بتصريح مسئول نصراني أنهم فد تعاونوا معهم، وصدق الله: {وفيكم سماعون لهم} .
وليت هذا الذي لا يثبت، كان مكفِّرًا أصلًا، بل هي شبهات وأمور محتملات؛ فهل مجرد الجلوس مع الكفار يعتبر ناقضًا من نواقض الإسلام؟ وهل مجرد التواصل مع الكفار ناقض من نواقض الإسلام؟ إن هذا لشيء عجاب!
وهل لو افترضنا أن كافرًا متمكنًا قدَّم خدمة لمسلم؛ فهل يعتبر ذلك المسلم منحرفًا أو لديه تميع في المعتقد؟
وهل كل من سلمه الكافرون سلاحًا يعتبر كافرًا؟
أين هؤلاء المتفيقهة من إجارة المطعم بن عدي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الكعبة وجعله يصلي وهو يحرسه؛ هل في هذا محذور شرعي؟
بل قد ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فضله، وأنه لو طالبه في فكاك الأسرى من صناديد قريش لأنفذ له ذلك؛ حتى قال بأبي هو وأمي: (لو أن المطعم حيَّا وكلمني بهؤلاء النتنة لتركتهم له) ؛ فانظر إلى تلك النفس الزكية، وهذا الوفاء الكبير من خير البشرية، حيث لم ينسَ معروفَ الكافر فأراد أن يرد له حسن صنيعه .. فماذا يقول المتفيقهة في هذا؟!