طبعًا لما بدأ الجهاد في الجزائر كان هناك الجبهة الاسلامية للإنقاذ وكان هناك الجماعة الاسلامية المسلحة، جماعة الإنقاذ بدأوا يُعلِنوا أنهم يريدون الجهاد من أجل إجبار الحكومة على العودة إلى البرلمان، كان عندهم طرحهم ونحن كنا ضد هذا الطرح وأنا كتبت في تفنيد هذا الطرح عدة مرات.
سألت أيضًا عن هذا وسأُفَصّل لك في الجزء الثاني - إن شاء الله - عن الموقف من قضية جبهة الإنقاذ، بدأوا يكتبوا علينا بيانات شديدة جدًا، جدًا وفيها تُهَم لا تليق أن تصدر من أي إنسان عنده شيء من الضبط أو شيء من المروءة يتحقق مما يكتب، وكان هناك نشرة الرباط ونشرة التبصرة ثم نشرة السبيل صاغت تُهَم شديدة جدًا، جدًا لي، ومنها قضية أننا نحن وراء المجازر, ومنها قضية محمد السعيد، هذه النشرات تبنت إعادة بثها جريدة الحياة، فكان معظم المقالات كتبها صحفي اسمه كميل الطويل وهو نصراني لبناني، وبعضها كتبه جمال خاشقجي وهو سعودي، والإخوان المسلمين يأخذون هذه البيانات على عِلَلِها على ما فيها، طبعًا هذا وافق الاتجاه العام للصحف العربية خاصة «الحياة» كصُحُف ممولة من جهات حكومية وتديرها أجهزة الإعلام وأجهزة الاستخبارات العربية وخاصة السعودية مثل جريدة الحياة ومجلة الوطن العربي وغيرها، فمن فترة منتصف 1995 إلى منتصف أو آخر 1996 كتبت عليَّ جريدة الحياة 14 مقال، ومعظم هذه المقالات ينقلوا فيها عن هذه النشرات.
فأما موضوع المجازر فأقول لك من بدأ المجازر بعد فترة من تولي أبي عبد الرحمن أمين، في فترة أبو عبدالله أحمد وما قبله كان الوضع ممتاز جدًا وكان مضبوط، فيه بعض الخلل البسيط جدًا الذي كان نصلحه أول بأول بالنصائح، ولكن لما بدأ موضوع عبد الرحمن أمين كان الوضع سيء وبدأت تحدث المجازر.
الآن عندي تفصيل كثير بالموضوع بعد ما استبانَ لي الموضوع برمته أعتقد أن المخابرات الفرنسية دخلت على خط محاربة الجهاد في الجزائر وذلك بالتعاون مع المخابرات الجزائرية وبالتعاون مع بعض المخابرات العربية، وأدركوا أن هناك فجوات في هذا المنهج تسمح بأن يحرفوه عن مساره ويوجهوه ضد الشعب بدلًا من أن يكون ضد الحكومة، وكان الغرض الأساسي من هذه العملية عزل الجهاد في الجزائر عن قاعدته الشعبية؛ الجهاد في الجزائر توفرت له شروط للنجاح ما توفرت لأي عمل جهادي آخر أبدًا، وخاصةً أنه جاء بعد فشل محاولة ديمقراطية، فكل جماهير الحل الإسلامي السلمي التي كانت بالملايين تحولت إلى دعم الحل العسكري، فكانت نقطة النجاح الأساسية هي إلتفاف الناس حول الجهاد في الجزائر، فكان على أجهزة الاستخبارات أن تصد هذا الالتفاف عن الجهاديين في الجزائر , فالمبدأ المعروف عند الفرنسيين الذي يسمونَهُ بالفرنسي: « La revolution contraire» يعني «الثورة المضادة» وطبَّقوه خلال فترة محاربتهم لجبهة التحرير وطبقوه أكثر من مرة، خلاصته صناعة قيادات مشبوهة إلى جانب القيادات التي تعمل في ثورة معينة ولف الناس حولها من خلال بعض الأمجاد العسكرية ثم تكليفها بالانحراف أو بتصفية أساس الثورة نفسه، وهذا الذي أعتقد ما حصل في الجزائر؛ فقد دُسَّ كثيرٌ من الناس في هذا التيار واستغل تَشَنُج كثير من الشباب الذين بدأوا تحت مسمى «السلفية» ثم أصبحوا سلفيين متشددين ثم أصبحوا «تكفيريين» وشيئًا فشيئًا جرفوا هذا التيار ليكون جهاد ضد الشعب الجزائري بَدَل أن يكون جهاد ضد الحكومة أو ضد فرنسا التي تقف وراء الحكومة.
فلما بدأت هذا الانحرافات بدأنا أولًا بالنصيحة، تعرف عندما تُؤيّد قضية ثم تشعر أن أخوك الذي يجاهد بدأ ينحرف تبدأ أولًا بالنصيحة فبدأنا بالنصيحة، بدأنا بالرسائل، بدأنا بالإنذار، بدأنا بالكلام شيئًا فشيئًا إلى أن جائت قضية محمد سعيد، فلما قتلوا محمد السعيد كان بلغني الخبر يوم [12\ 1\1996] ... الآن أمامي بيانات ممكن أرجع لك بالتواريخ.
بلغني صباحًا في الساعة السابعة أنهم تبنوا في العدد 130 من نشرة الأنصار مقتل محمد السعيد، فأنا عند الساعة السادسة مساءً أصدرت بيانًا أتبرأ به من هذه العملية مباشرةً، وذهبت إلى تلاميذ محمد سعيد ومنهم أخ كان يكتب في الأنصار نفسها كأنه اسمه ( ... ) ثم أبعدوه وترك نشرة الأنصار لأنه هو كان من المقربين جدًا للشيخ محمد سعيد رحمة الله عليه، فعزيته في الشيخ وقلت له: هل عندك شك نصف في المئة بأني أنا يمكن أن يكون عندي رأي في هذه القضية؟ فقال: "والله أعلم أنه ليس لك علاقة ولا ارتَضَيّتَهُ وأعلم آراءك وأعلم آراء الآخرين، ولكن الآن الموجة كلها في لندن نتيجة السخط ونتيجة الإشاعات التي تطلقها نشرات جبهة الإنقاذ ونتيجة إعادة جريدة الحياة لهذه الإشاعات؛ الكل مقتنع بأنك وأبو قتادة متورطين في هذه القضية" فأنا قلت له: ماذا ترى؟