الجماعة المسلحة في مرحلة التأسيس كانت جماعة خَيّرة ولم تبرُز لها هوية منهجية واضحة متميزة غير أنها على الفكر الجهادي العام، يعني تَصُوُرها حكومة مرتدة كافرة حاربت مشروع الإسلام والمسلمين حتى الإسلامي والديمقراطي فحملت السلاح؛ لم تكن القضية أبعد من هذا. لما جاء أبو عبد الله أحمد - رحمة الله عليه - وتحققت الوحدة وأصبحت عندي وعند معظم الإسلاميين أن الجماعة الإسلامية أصبحت تمثّل راية الشرعية الجهادية في الجزائر، لماذا؟ لأن دخلوا فيها الإنقاذ وجيش الإنقاذ ومحمد السعيد وعبد الرزاق رجّام - رحمة الله عليهم - وسعيد مخلوفي لا أعرف ما هو مصيره - أسأل الله ان يتقبله - وحركة الدولة الإسلامية دخلت وأكثر من 50 جماعة مسلحة صغيرة دخلت فأصبح كل من يحمل السلاح تحت مسمى الجهاد داخلًا فيها.
فهذا ما كنا نحنُ نرجوه وكان بيني وبينهم مهاتفة ومراسلة وصِلة مباشرة وكنت مطمئن على مسارها، فدخلت أكتب وجهة نظري في الأنصار وأنا مسؤول عن مقالاتي وما كتبته ومتبنيه وراجعته مرة أخرى لأجد هل فيه ما يُعتَذَر عنه؛ فوجدت أن ما كتبته أنا راضي عنه ( .. ) ، ولكن خلال الفترة التي كتبت فيها كان يكتب في الأنصار بعض الشخصيات لهم منهج يختلف عن منهجنا الجهادي نحن، الذي خرجنا من أجله من سورية وعشنا في أفغانستان، فكان لهم هوية فكرية أخرى، هذه الهوية الفكرية بدأت تنمو داخل مجلة الأنصار على استحياء قليلًا فقيلًا فقليلًا ولكن في الآخر لما قتل أبو عبد الله أحمد {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} وحولوها عمل إجرامي ولم يعد عمل جهادي، احتجت شهرين أو ثلاثة حتى أستطيع أتلمَّس طبيعة هذا الإنحراف، طبعًا أنت لما تكون في قضية كبيرة وتجد أخوك ينحرف وليس مجرد تجد منه بصيص إنحراف لا تستطيع أن تقول له خلاص أنا متبرئ منك، مُتَخلي عنك، بل تحاول أنك تسدد وتقارب أو تصلح أو تتبين، فهذه القضية ما بين تولي عبد الرحمن أمين إلى بداية ظهور الإنحراف بصورة شرسة، فكنت أنا أكتب هذه القضايا لأني معتقدها وأحاول مع إدارة مجلة الأنصار إلى العدد 120 إني أنصحهم حول هذا الخط الفكري الجديد الذي بدأ يدخل في الأنصار وأنا لستُ موافق عليه سيعطيكم هوية أخرى غير التي كنتم أنتم ونحن نحملها.
في العدد 120 كان الأخ أبو فارس المسؤول عن مجلة الأنصار اعتُقِلَ في لندن، اعتقلوه وتمَّ توجيه له اتهامات كثيرة ومن بينها قضية المسؤولية عن مجلة الأنصار ومنها قضية لم تثبت إلى الآن - قضية التفجيرات في فرنسا - .. المهم اعتُقِل الرجل فلما راحت هذه الإدارة التي كانت تقبل النصيحة وكانت أقرب إلينا فلما راح هذا الرجل أصبح التيار الذي أنا معارضه فكريًا والذي كان يمثله أخونا أبو قتادة مثلًا وبعض الكُتّاب الآخرين فأصبحوا مشرفين على الأنصار بصورة مباشرة، فبدأ يغلب هذا الطابع الفكري فلما بدأت غَلَبَة من ناحية بدأت الإنحرافات في الجزائر تطفو إلى السطح ما بين العدد 120 إلى العدد 134 حواليّ 14 عدد، أنا كنت وقتها أدرس القضية فلم أُحِب أن أضع أشياء على مسؤوليتي فكتبت لهم 6 أو 7 مقالات باسم مستعار وكانت المقالات عبارة عن مقتطفات من ظلال القرآن ومواضيع عامة فحتى لا يكون فيه لبس، من ناحية حتى لا أتخلى عنهم إلى أن أتبين ومن ناحية أخرى حتى لا أتحمّل باسمي «عمر عبد الحكيم» الذي كنت أكتب فيه مسؤولية ما ينشر في مجلة الأنصار من انحرافات.
فعند العدد 130 قَتَلَت الجماعة المسلحة محمد السعيد - رحمة الله عليه - وبلغ عندي ذلك نهاية الصدمة في أن هناك كارثة في الجزائر وإنحراف فكري تأكّد عندي، أنا كنت أتتبع وأسأل فلما تأكد عندي يوم قُتِلَ محمد السعيد أعلنت أنا فورًا وفي ليلتها البراءة من هذا العمل، يعني بلغني خبر مقتل محمد السعيد الصبح الساعة 7 والساعة 6 مساءً أصدرت بيان، فلما أبو قتادة والأخوة الذين أشرفوا على قضية مجلة الأنصار كما سأريك بعض الوثائق تبنوا وسوغوا قضية مقتل محمد السعيد واعتبروها صحيحة وأنها ضمن المنهج - الذي قبلوه - ثم تتابعت الانحرافات في مجلة الأنصار حتى بلغ حَدَّ الموبقات، وقبل ذلك بكثير لما قتلوا محمد السعيد بعد عددين أنا قلت لهم إني لا أستطيع الاستمرار معكم حتى طلبوا مني إخوة كثير لماذا لا تحاول أن تكتب؟ حتى سألني أبو قتادة صراحةً في مجلس وأمام ثمانية من الإخوة حتى منهم بعض الإخوة الليبيين والمصريين والتونسيين:"لماذا لا تكتب معنا؟"قلت لهم صراحةً: أقول لكم وما تزعلوا؟ قالوا"ماذا؟"قلت لهم: أنا هناك مبادئ حملتها في سورية وذهبت بها إلى أفغانستان وجاهدنا فيها مع الناس وجئت أجاهد مع الجماعة في الجزائر لها هوية لها لون لها طعم لها رائحة، هذا الذي يُكتَب الآن في مجلة الأنصار حقيقةً يشهد الله لا يمثلني ولا أقبلهُ ولا يُمثّل هويتي المنهجية ولا في فِكري قالوا:"كيف؟ نحن منهجنا منهج أهل السنة ومنهج السلف".