ورُوي أن رجلا قال في مجلس علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما قتل كعب بن الأشرف إلا غدرا، فأمر علي بضرب عنقه، وقاله آخر في مجلس معاوية فقام محمد بن مسلمة رضي الله عنه فقال: أيقال هذا في مجلسك وتسكت، والله لا أساكنك تحت سقف أبدا؛ ولئن خلوت به لأقتلنه.
وقال ابن عمر رضي الله عنه: من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل، وقال عمر بن عبد العزيز: يقتل ولا يستتاب، فإن خالد بن الوليد قتل رجلا شتم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستتبه، هذا وستأتي هذه الأدلة في أثناء كلام العلماء إن شاء الله تعالى.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل رحمه الله سألت أبي عن رجل قال لرجل: يا بن كذا وكذا أنت ومن خلقك، فقال أحمد: هذا مرتد عن الإسلام، قلت تُضرب عنقه؟ قال: نعم تضرب عنقه. [1]
قال القاضي عياض رحمه الله: قال القاضي أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل ... إلى أن قال: وقال ابن القاسم عن مالك وحكاه مطرف عن مالك: من سب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين قتل ولم يستتب، وقال ابن القاسم: من سبه أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل وحكمه عند الأئمة القتل كالزنديق، وقد فرض الله تعالى بره وتوقيره.
وفي المبسوط عن عثمان بن كنانة: من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين قتل أو صلب صلبا ولم يستتب، والإمام مخير في صلبه حيا أو قتله، ومن رواية أبي المصعب وابن أبي أوس قال: سمعت مالكا يقول: من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلما كان أو كافرا ولا يستتاب [2] .
وقال أصبغ: يقتل على كل حال أسر ذلك أو أظهره ولا يستتاب لأن توبته لا تعرف، وقال عبد الله بن الحكم: من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب، وحكى الطبري مثله عن أشهب عن مالك، وروى ابن وهب عن مالك: من قال إن رداء النبي صلى الله عليه وسلم وسخ وأراد به عيبه قتل.
وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة ... إلى أن قال القاضي عياض رحمه الله: وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي صلى الله عليه وسلم بأذى أو نقص معرضا أو مصرحا وإن قل فقتله واجب. اهـ [3]
وقال أيضا رحمه الله: الوجه الثاني لاحِقٌ في البيان والجلاء، وهو أن يكون القائل لما قاله في جهته صلى الله عليه وسلم غير قاصد للسب والازدراء؛ ولا معتقد له؛ ولكنه تكلم في جهته صلى الله عليه وسلم بكلمة الكفر من لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه أو نفي ما يجب له مما هو في حقه صلى الله عليه وسلم نقيصة، أو يأتي بسفه من القول أو بقبيح من الكلام ونوع من السب في جهته صلى الله عليه وسلم، وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ذلك ولم يقصد سبه إما لجهالة حملته على ما قاله أو لضجر أو قلة مراقبة وضبط لسان وعجرفة وتهور في كلامه.
(1) مسائل الإمام أحمد/431.
(2) راجع سير أعلام النبلاء ج8/ 103.
(3) شرح الشفا للقاضي عياض، ج 2/ 393: 400.