الصفحة 11 من 23

اختلف العلماء فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة، فجمهور العلماء على قتله وهو الصحيح وذهب أبو حنيفة وسفيان الثوري ومن تبعهما إلى أنه يعزر ولا يقتل وذلك لأنه لا يقتل على ما هو عليه من الشرك والذي يتضمن سب الرب تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس بصحيح لأننا لن نقرهم على إظهار ما يعتقدونه من سب أو تنقص، فمتى أظهروه فقد انتقض ما بينهم وبيننا من عهد وما لهم من ذمة، ومما يُستدل به على قتل من أظهر سب الله تعالى أو نبيه:

* قصة قتل كعب بن الأشرف اليهودي وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهده على أن لا يُعين الكفار عليه ولا يُقاتله، فلما بلغه سبه وهجاءه وتشببه بنساء المؤمنين قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لِكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟) فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم ... الحديث [1] ، فهذا مُعَاهَد كان معصوم الدم بعهده فلما سب النبي صلى الله عليه وسلم وآذاه انتقض عهده وقُتل، وقد احتج الشافعي رحمه الله بهذا الحديث على أن الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم قتل وبرئت منه الذمة.

* ما رواه الشعبي عن علي أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها [2] ، وقد قال ابن تيمية رحمه الله في التعليق على هذا الحديث: هذا الحديث نص في جواز قتل المرأة إذا شتمت النبي صلى الله عليه وسلم، ودليل على قتل الرجل الذمي وقتل المسلم والمسلمة إذا سبَّا بطريق الأولى، لأن هذه المرأة كانت موادعة مهادنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادع جميع اليهود والذين كانوا بها موادعة مطلقة ولم يضرب عليهم الجزية. اهـ [3]

قال القاضي عياض رحمه الله: فأما الذمي إذا صرح بسبه أو عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به، فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم، لأنا لم نعطه الذمة والعهد على هذا، وهو قول عامة العلماء إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة؛ فإنهم قالوا لا يقتل لأن ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزر.

واستدل بعض شيوخنا على قتله بقوله تعالى {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} [4] ، ويُستدل عليه أيضا بقتل النبي صلى الله

(1) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والبيهقي والطبراني والحاكم وابن هشام في السيرة.

(2) رواه أبو داود والبيهقي وقال ابن تيمية: وهذا الحديث جيد وقد رأى الشعبي عليًا وروى عنه، وحتى لو كان فيه إرسال فإن الشعبي عند أهل العلم صحيح المراسيل لا يعرفون له مرسلًا إلا صحيحًا، وهو من أعلم الناس بحديث علي وبثقات أصحابه، والحديث له شاهد من حديث ابن عباس.

(3) الصارم المسلول/286.

(4) سورة التوبة، الآية: 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت