الصفحة 13 من 23

سبق في أقوال أهل العلم وخاصة في كلام القاضي عياض وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب رحمهم الله أجمعين بيان أن من سب الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر وإن لم يقصد الكفر بذلك، حتى ولو كان ما صدر منه على سبيل الهزل وعدم القصد أو حمله عليه غضب أو تهور أو غير ذلك مما لا يدل على قصده لذلك.

وهذه المسألة ـ أعني اشتراط قصد الكفر في تكفير الساب ـ قد قال بها بعض من ينتسب إلى العلم الشرعي في هذه الأزمان وحملوا كلام العلماء في ذلك على غير محمله.

ومما ينبغي أن يُعلم أن هناك نوعين من القصود، فالأول قصد الفعل أو القول بقطع النظر عن حكمه ونتيجته، والثاني قصد حكم الفعل أو القول ونتيجته، وفرق بين القصدين.

فالأول مثل أن يقصد لفظا معينا فيخرج منه لفظ آخر أو يخرج منه كلام لم يقصد التلفظ به ولم يعقده فلبه كالنائم والمجنون فإنه لا يؤاخذ به البتة، وهذا هو الخطأ الذي لا عقاب فيه.

وفي ذلك يقول الله تعالى (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) [1] ، قال ابن القيم رحمه الله: ولم يرتب ـ أي الشرع ـ تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يرد معانيها ولم يحط بها علما، بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم به، وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة به، إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به أو قاصدة إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم، هذه قاعدة شرعية وهي من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته. اهـ [2]

وقد ورد في هذا أيضا حديث النبي صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الرجل الذي ضلت راحلته في فلاة وعليها طعامه وشرابه وقد نام تحت شجرة ينتظر الموت فإذا دابته عند رأسه وعليها طعامه وشرابه فأخذ بخطامها ثم قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخطأ من شدة الفرح) [3] .

وهذا الحديث يبين أن من أراد لفظا فخرج منه لفظ آخر دون قصد منه ولا تعمد أنه لا يُؤاخذ به ولا يُحاسب عليه، وهذا من باب جريان اللفظ على اللسان من غير إرادة لمعناه، بخلاف ما إذا قصد القول أو الفعل ولم يقصد نتيجته من الأحكام.

وقد مَثَّل العلماء لذلك في عدة أبواب من الفقه ومن ذلك ما ذكره العلماء في حكم من هزل بالطلاق

(1) سورة الأحزاب، الآية: 5.

(2) إعلام الموقعين ج3/ 117.

(3) رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن باختلاف يسير في الألفاظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت