وأنهم اتفقوا أنه يقع؛ لأنه قصد اللفظ الصريح في الطلاق وإن لم يقصد نتيجته وهو وقوع الطلاق [1] ، وسيرد إن شاء الله تعالى في قول القرافي رحمه الله أنه لو أن رجلا كان اسم امراته طارق فأراد أن يناديها فأخطأ وقال يا طالق فإنها لا تُطلق، والمعتبر في هذا النوع هو قصد القول أو الفعل، وذلك احتراز عن الخطأ وسبق اللسان.
وقد قال القاضي عياض رحمه الله تعليقا على الحديث السابق: فيه أن ما ناله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به، وكذا حكايته عنه على طريق علمي وفائدة شرعية، لا على الهزل والمحاكاة والعبث، ويدل على ذلك حكاية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولو كان منكرًا ما حكاه والله اعلم. اهـ [2]
وقال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر الخبر السابق: ولم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر لكونه لم يرده، والمكره على كلمة الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته، بخلاف المستهزئ والهازل فإنه يلزمه الطلاق والكفر، وإن كان هازلا لأنه قاصد للتكلم باللفظ، وهزله لا يكون عذرا له بخلاف المكره والمخطئ والناسي فإنه معذور مأمور بما يقوله أو مأذون له فيه، والهازل غير مأذون له في الهزل بكلمة الكفر والعقود، فهو متكلم باللفظ مريد له ولم يصرفه عن معناه إكراه ولا خطأ ولا نسيان ولا جهل، والهزل لم يجعله الله ورسوله عذرا صارفا بل صاحبه أحق بالعقوبة، ألا ترى أن الله تعالى عذر المكره في تكلمه بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان ولم يعذر الهازل بل قال تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) . اهـ [3]
وقال ابن حزم رحمه الله: الإقرار باللسان دون عقد القلب لا حكم له عند الله عز وجل، لأن أحدنا يلفظ بالكفر حاكيًا وقارئًا له في القرآن فلا يكون بذلك كافرًا حتى يقر أنه عقده. اهـ [4]
ومن هذا الباب أيضا أن يتكلم الإنسان بكلام أو ينطق لفظا لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ بذلك حتى يتكلم به قاصدا معناه، ووجه عدم المؤاخذة هنا أنه لم يقصد حقيقة ما تلفظ به، وفي ذلك يقول العز بن عبد السلام رحمه الله: فصل فيمن أطلق لفظا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه حيث قال: فإذا نطق الأعجمي بكلمة كفر أو إيمان أو طلاق أو إعتاق أو بيع أو شراء أو صلح أو إبراء لم يؤاخذ بشيء من ذلك، لأنه لم يلتزم مقتضاه ولم يقصد إليه، وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه المعاني بلفظ أعجمي لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك، لأنه لم يرده، وإن قصد العربي بنطق شيء من هذه الكلم مع معرفته بمعانيها نفذ ذلك منه، فإن كان لا يعرف معانيها مثل أن قال العربي لزوجته أنت طالق للسنة أو للبدعة وهي حامل [5] بمعنى اللفظين، أو نطق بلفظ الخلع أو غيره أو الرجعة أو النكاح أو الإعتاق وهو لا يعرف معناها مع كونه عربيًا فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك، إذ لا شعور له بمدلوله حتى يقصد إلى اللفظ الدال عليه. اهـ [6]
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها: سمني فسماها الطيبة
(1) راجع المغني كتاب الطلاق، ج 7/ 134. ط عالم الكتب.
(2) فتح الباري ج11/ 108.
(3) إعلام الموقعين ج3/ 76.
(4) راجع الفصل في الملل والأهواء والنحل ج3/ 249.
(5) كذا في الأصل، ولعل الصواب: وهو جاهل وذلك حتى يستقيم المعنى.
(6) راجع قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام ج2/ 102.