فقالت: لا، فقال لها ماذا تريدين أن أسميك؟ قالت: سمني خلية طالق، فقال لها: أنت خلية طالق، فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجي طلقني، فجاء زوجها فقص عليه القصة فأوجع عمر رأسها وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها [1] .
وأما النوع الثاني من القُصود هو قصد نتيجة القول أو الفعل وحكمهما، وهذه المسألة فيها تفصيل طويل، وذلك بحسب نوع القول أو الفعل، كأن يقول من المعلوم بالضرورة مثلا أو من الخفي، وكذلك بحسب حال الشخص من جهة العلم والجهل بحكم هذه الأقوال والأفعال، وكذلك المكان الذي يعيش فيه المكلف هل ينتشر فيه العلم ويتمكن من معرفته أم أنه يعيش في مكان يندر فيه العلم ويتعذر تحصيله، إلى غير ذلك مما يؤثر في إطلاق الحكم على أعيان المكلفين، وسيأتي تفصيل هذه المسألة إن شاء الله تعالى في الحديث عن مبحث الجهل والعذر به.
وأما ما يُعتبر من ذلك في مسألة من سب الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو تنقص الشريعة وأهلها، فقد قال القاضي عياض رحمه الله: أو يأتي بسفه من القول أو بقبيح من الكلام ونوع من السب في جهته صلى الله عليه وسلم، وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ذلك ولم يقصد سبه إما لجهالة حملته على ما قاله أو لضجر أو قلة مراقبة وضبط لسان وعجرفة وتهور في كلامه، فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم ... إلى آخر قوله رحمه الله وقد سبق.
وكذلك قال ابن تيمية: قال الإمام إسحاق بن راهويه ـ أحد الأئمة يعدل بأحمد والشافعي ـ: أجمع المسلمون أن من سب الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل الله أنه كافر بذلك؛ وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله، وقال محمد بن سحنون ـ أحد الأئمة من أصحاب مالك ـ: أجمع العلماء على أن شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم كافر وحكمه عند الأئمة القتل؛ ومن شك في كفره كفر، وقد سبق أيضا.
وعلى كل حال فالقول بأن الكافر لا يُحكم عليه بالكفر إذا فعله أو قاله إن لم يكن قاصدا له قول يخالف الأدلة الصريحة كما سيأتي بيانه، وهذا مذهب المرجئة، فإن طائفة من المرجئة قد قالوا: لا يكون الكفر إلا بذهاب التصديق من القلب ولا يكون الإنسان كافرا إلا بأن يقصد الكفر بقلبه، وذلك بذهاب التصديق منه، فكما أنهم أرجعوا الإيمان إلى عمل القلب فقط ـ التصديق ـ فكذلك فقد أرجعوا الكفر إلى عمل القلب فقط.
وقد ذكر العلماء وبينوا ما يُشترط فيه معرفة القصد قبل الحكم على المكلف، وهو ما كان من قبيل المحتمل من الألفاظ والتي قد تدل على أكثر من معنى؛ وهو ما يُسمى ألفاظ الكنايات ويُلحق به الخطأ وسبق اللسان؛ وعلى هذا يحمل ما ورد في كلام بعض العلماء.
ولذلك قال القاضي شهاب الدين القرافي في قاعدة ما يُشترط في الطلاق من النية وما لا يشترط فيه: اعلم أن النية شرط في الصريح إجماعا وليست شرطا فيه إجماعا؛ وفي اشتراطها قولان، وهذا هو مُتَحصل الكلام الذي في كتب الفقهاء؛ وهو ظاهر التناقض ولا تناقض فيه.
فحيث قال الفقهاء إن النية شرط في الصريح فيريدون القصد لإنشاء الصيغة احترازا من سبق اللسان لما
(1) إعلام الموقعين ج3/ 75.