لم يقصد، مثل أن يكون اسمها طارقا فيناديها فيسبق لسانه فيقول لها: يا طالق فلا يلزمه شيء لأنه لم يقصد اللفظ، وحيث قالوا إن النية ليست شرطا في الصريح فمُرادهم القصد لاستعمال الصيغة في معنى الطلاق، فإنها لا تُشترط في الصريح إجماعا وإنما ذلك من خصائص الكنايات أن يقصد بها معنى الطلاق وأما الصريح فلا. اهـ [1]
وقال ابن تيمية رحمه الله: إن العقود والتصرفات مشروطة بالقصود كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) ، وقد قررت هذه القاعدة في كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل.
وقررت أن كل لفظ بغير قصد من المكلف؛ لسهو وسبق لسان وعدم عقل فإنه لا يترتب عليه حكم، وأما إذا قصد اللفظ ولم يقصد معناه كالهازل، فهذا فيه تفصيل، والمراد هنا القصد العقلي الذي يختص بالفعل. اهـ [2]
قلت: مما سبق يتبين صحة ما قلناه من التفريق بين إرادة إنشاء صيغة القول أو الفعل وبين إرادة ما يترتب عليه من أحكام، فالذي يعتبر هو القصد في إنشاء الصيغة وليس قصد حكم هذه الصيغة.
وأما ما يتعلق بمسألتنا فليس هناك أصرح من قوله تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) فقد صرح القوم بأنهم لم يقصدوا حكم ما تلفظوا به من قولهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء، وقد قالوا للنبي سمر كنا نقطع به الطريق، فلم يكذبهم الله تعالى في ذلك مما يدل على صحة ما قالوه من أنه سمر يقطعون به طول الطريق وحكم عليهم بأنهم كفروا بعد إسلامهم، فدل ذلك على أن من قصد القول المكفر كفر وإن لم يقصد أن يكون كافرا.
وقد ذكر العلماء أن من ارتكب شيئا مكفرا فلا يُشترط في الحكم عليه بالكفر أن يكون قاصدا له أو يكون معتقدا لما فعله، بل يصح الحكم عليه بذلك وإن لم يقصده أو يعتقده بشرط أن يكون ما قاله أو فعله من الصريح لا من المحتمل.
ولذلك فقد قال ابن تيمية رحمه الله في بيان حكم من رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم: وإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم والجهر له بالقول يخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر ويحبط عمله بذلك وأنه مظنة لذلك وسبب فيه، فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزير والتوقير والتعظيم والإكرام والإجلال.
ولما أن رفع الصوت قد يشتمل على أذى له واستخفاف به وإن لم يقصد الرافع ذلك، فإذا كان الأذى والاستخفاف الذي يحصل به سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفرا، فالأذى والاستخفاف المتعمد كفر بطريق الأولى. اهـ [3]
وقال أيضا رحمه الله: وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرا، إذ
(1) الفروق للقرافي، ج 3/ 163. ط عالم الكتب.
(2) مجموع الفتاوى، ج 33/ 107.
(3) الصارم المسلول / 55: 56.