لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله. اهـ [1]
قلت: وما ذكره ابن تيمية رحمه الله تعالى من أن من قال أو فعل الكفر كفر وإن لم يقصد ذلك ولم يعتقده بقلبه؛ قد تكرر كثيرا في قوله وقول غيره من العلماء، وسواء كان ذلك في مسألة السب أو كان في الكفر مطلقا كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
بل قد صرح الأئمة رحمهم الله أن من لم يلتزم بالعمل مطلقا فهو كافر؛ وإن أقر بكل ما أنزل الله وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يقصد أن يكون كافرا، ولم يرجعوا الحكم في ذلك إلى عمل القلب.
وقد صرح بذلك نافع مولى ابن عمر رضي الله عنه، وورد هذا في قول الحميدي وأحمد بن حنبل رحمهما الله، فقد نقل ابن تيمية رحمه الله عن أحمد بن حنبل بإسناده عن معقل بن عبيد الله العبسي أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنهم يقولون: نحن نُقر بأن الصلاة فرض ولا نصلي، وبأن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح، فنثر يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر. اهـ [2]
وقال أيضا رحمه الله: قال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه، إذا كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة.
فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلماء المسلمين، قال تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} .
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به من عند الله. اهـ [3]
وقال ابن تيمية رحمه الله أيضا: والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك لكان كفره أعظم.
فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعا بلا تكذيب. اهـ [4]
وقال ابن تيمية أيضا: أنه لو قُدِّر أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك؛ ونقر بألسنتنا بالشهادتين؛ إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه، فلا نصلي؛ ولا نصوم؛ ولا نحج؛ ولا نصدق الحديث؛ ولا نؤدي الأمانة؛ ولا نفي بالعهد؛ ولا نصل الرحم؛ ولا نفعل من الخير الذي أمرت به؛ ونشرب الخمر؛ وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر؛ ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك؛ ونأخذ أموالهم؛
(1) الصارم المسلول / 177: 178.
(2) مجموع الفتاوى، ج 7/ 205.
(3) مجموع الفتاوى، ج 7/ 209. وراجع السنة للخلال / 582.
(4) مجموع الفتاوى، ج 7/ 292.