الصفحة 18 من 23

بل نقتلك أيضا ونقاتلك مع أعدائك.

هل كان يتوهم عاقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان؛ وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة؛ ويُرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار؟ بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك. اهـ [1]

وقال أيضا رحمه الله: ولا يُتصور في العادة أن رجلا يكون مؤمنا بقلبه؛ مقرا بأن الله أوجب عليه الصلاة؛ ملتزما لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به؛ يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنا في الباطن قط، لا يكون إلا كافرا، ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذبا منه، كما لو أخذ يُلقي المصحف في الحشَّ ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيا من الأنبياء ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول. اهـ [2]

وقال ابن تيمية أيضا في قوله تعالى {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب .... } الآية، قال: فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبيَّن أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه. اهـ [3]

وقال أيضا رحمه الله: فإن قيل: فقد قال تعالى {ولكن من شرح بالكفر صدرا} ، قيل: وهذا موافق لأولها، فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرا، وإلا ناقض أول الآية آخرها.

ولو كان المقصود بمن كفر هو الشارح صدره، وذلك يكون بلا إكراه؛ لم يستثن المكره فقط، بل كان يجب أن يستثني المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعا فقد شرح بها صدرا وهي كفر، وقد دل على ذلك قوله تعالى {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} ، فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبَيَّن أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام؛ ولو كان الإيمان في قلبه لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام. اهـ [4]

وقال ابن تيمية أيضا: قال سبحانه {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} ، ومعلوم أنه لم يُرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط، لأن ذلك لا يكره الرجل عليه، وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال واعتقد؛ لأنه استثنى المكره وهو لا يُكره على العقد والقول؛ وإنما يُكره على القول فقط، فعُلِم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، وأنه كافر بذلك إلا من أكره وهو مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا من

(1) مجموع الفتاوى، ج 7/ 287.

(2) مجموع الفتاوى، ج 7/ 615: 616.

(3) مجموع الفتاوى، ج 7/ 273.

(4) مجموع الفتاوى ج 7/ 220.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت