الصفحة 12 من 15

وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7/ 521) عن بعض أهل المغازي، قال: وهو في (تفسير يحيى بن سلام) أن لفظ كتاب حاطب إلى كفار قريش: (أما بعد، يا معشر قريش فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز وعده فانظروا لأنفسكم والسلام) وكذا حكاه السهيلي .. فهو إنذار كالتهديد وكالدعوة إلى التوبة .. وانظر في هذا والذي قبله وتأمل ثقته بنصر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه من شأنه، ومع هذا كله فقد أنزل الله تبارك و تعالى بسبب فعلته هذه آيات عظيمات تقشعر منها جلود الذين آمنوا، فقال عز من قائل: {يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما اخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} الممتحنة.

ومعلوم أن حاطبا لم يوادد أعداء الله وإنما دفعه إلى ذلك العمل كما في حديث البخاري خوفه على ضعفة أهله الذين كانوا في مكة .. لكن الآيات نزلت عامة -كعادة القرآن في كثير من الوقائع - تقطع الطريق الموصلة إلى ما ينهى عنه، وتسد ذرائع المودة والتولي لأعداء الله ..

وأخيرًا فلو تأمل العاقل في فعلة حاطب هذه وكيف شدد فيها، وكيف أنزل الله بسببها هذه الآيات العظيمة؛ مع ما تقدم فيها من أحوال .. ثم نظر بعد ذلك في أحوال جيوش الردة هذه وعساكر الشرك والتنديد وما يمارسونه من حماية للكفر ونصرة للقانون الوضعي وتثبيت لعرش الطاغوت الذي أمروا أن يكفروا به .. لعرف - إن كان له قلب حي - أن الخطب جلل، وأن الأمر جد خطير .. وليس هو كما يحاول أهل التجهم والإرجاء على اختلاف توجّهاتهم تصويره وتهوينه ...

إذ التوحيد هو العروة الوثقى التي عليها مدار النجاة .. ومن خذله أو حاربه ووقف بالصف المحادد والعدوة المناوئة له؛ فقد باع أخراه بدنياه وصار من الجند الذين قال الله فيهم: {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} وقال: {فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون .. } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت