فمن تولى الكفار وأظهر نصرتهم أو نصرة شركهم وانحاز إلى شقهم وحدهم وعدوتهم؛ عاملناه بما أظهر، ونحن مأجورون في إجراء أحكام الكفار عليه فسريرته ليست إلينا بعد انقطاع الوحي .. ولم نأمر بالشق عن قلوب الناس .. وليس لنا إلى ذلك سبيل .. ولذلك فاستثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب في هذه الواقعة من خصوصياته التي اختصه الله بها بما اطلعه على الغيب، ولا مجال للقياس عليه .. فليس لأحد أن يستثني بعد رسول الله، ولو تركنا حادثة العين هذه في حق الصحابي الذي كان من جنود التوحيد، ولا يصح بحال مقايسة زلته بكفريات جند الطواغيت، ونظرنا إلى الأصل المحكم في سيرة الرسول في طريقة تعامله مع من أظهر تولي الكفار وصار في صفهم ومن جندهم؛ وزعم أنه مع ذلك يبطن الإسلام والإيمان .. - وهذا هو التوصيف الحقيقي لواقع جند الطواغيت الذين يجادل عنهم المجادلون - فسنجده صلى الله عليه وسلم قد عامل من زعم أنه يبطن الإسلام من أسارى بدر بمعاملة الصف الذي كانوا فيه والعدوة التي خرجوا فيها، وما التفت إلى زعمهم ذاك، ولا عبأ به، لأنهم كانوا في صف الكفار وحد المحادين لله وعدوة الشرك وأهله، ومنهم عمه العباس كما تقدم .. ولذلك قال الله تعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يأتكم خيرًا مما أخذ منكم ويغفر لكم} .. أي: يعلم ذلك منكم علم واقع بإظهاركم للإسلام وإعلانكم البراءة من الشرك، وترككم لصف الشرك وانحيازكم لصف التوحيد .. ولذلك عوض النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس عن فدائه بعد إظهاره للإسلام وانحيازه للمسلمين، وقد كان يقول بعد ذلك (فيَّ أنزلت هذه الآية) .. فليست القضية بالمزاعم دون ان يصدق ذلك العمل ..
فهذه هي القاعدة وهذا هو الأصل فيمن كان في صف الكفار وعدوتهم وشقهم او أظهر توليهم ونصرتهم ..
وقد علمت أن حاطبا رضي الله عنه لم يكن في صف المشركين ولا كان من جندهم، بل كان في صف الموحدين ومن جندهم، و كان واثقًا بنصر الله لنبيه لذلك قال: كما في رواية أحمد وأبو يعلى: (أما إني لم أفعله غشًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفاقًا؛ وقد علمت أن الله تعالى مظهر رسوله ومتم نوره) .
ولذا قال الحافظ في الفتح (634/ 8) : (عذر حاطب ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأولًا أن لا ضرر فيه) .
فهو حين أفشى ذلك السر كان يعلم أنه لن يضر به رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، لانه مؤمن بنصر الله لرسوله كما قال، وقد صدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق سريرته بقوله (صدقكم) فعلم انه لم يكن بعمله ذلك ناصرًا للمشركين مظاهرًا لهم على المسلمين، فقد استقر في يقينه أن الرسول منصور لا محالة من ربه وأن عمله ذاك لن يضره ولن ينصر المشركين.