وقال: (وما يدريك لعل الله اطلع على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فهذا الصحابي البدري قد استثناه النبي صلى الله عليه وسلم وزكاه وشهد بصدق سريرته وباطنه وأنه لم يفعل ذلك ردةً أوكفرًا أي لم يكن فعله نصرة ومظاهرة للمشركين على المسلمين، بل كان إفشاؤه لسر رسول الله مع تأوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منصور مؤيد لا محالة من الله؛ كبيرة من كبائر الذنوب اغتفرت مع كونه بدريًا ..
فهل في المهوّنين من شأن موالاة الكفار والمشركين ونصرة عبيد الياسق والدساتير، المتنطعين بقصة حاطب، هل فيهم أو فيمن يجادلون عنهم اليوم على وجه الأرض بدريًا اطلع الله على قلبه وأخبر أنه لن يكفر أويرتد، وأطلعنا أن انحيازه إلى شق الكفار وعدوة المشركين وحد المرتدين ليس نصرة لهم ولا مشاقة للمسلمين ومحادة لدينهم؟؟ ومن ثم يقال لهم اعملوا ما شئتم فإن كل ما ستعملونه مغفور لكم؛ لأنه لن يصل بحال إلى الكفر؛ ليتهاونوا في مثل هذا؟ ويتساقطوا فيه تساقطًا .. ؟
هذا على فرض استواء عمل من يجادلون عنهم، بفعل حاطب، ونحن لا نسلم به ..
ولا نسألهم مثل ذلك السؤال إلا بعد أن يكونوا ممن يطلعون على السرائر، ويملكون الشق عن قلوب الناس والتنقيب عن بواطنهم؛ فيميزون بين من يفعلها ردة وكفرا (كيدا وإضرارا بالمسلمين) .. وبين من قام في قلبه مانع للتكفير كمانع حاطب رضي الله عنه، (وهو صدق الإيمان واليقين بنصر المسلمين، الدافع لتأوله بأن فعله لن يضر الإسلام والمسلمين بحال) ؛ ودون ذلك خرط القتاد؛ فمن أين لهم ان يعلموا بعد انقطاع الوحي بصدق السرائر والبواطن من كذبها .. ومن يزكي لنا القلوب ويشهد لها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فهذا مانع من موانع التكفير الحقيقية التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، ولذلك لم يجعل مناطًا للحكم على الناس في الدنيا.
لذلك كان الأصل فيمن أظهر تولي الكفار ونصرتهم والانحياز الى شقهم المشاق لله وحدهم المحاد لدينه وعدوتهم المعادية لشرعه؛ أن نحكم عليه بعد انقطاع الوحي بظاهره؛ والله يتولى السرائر .. بل نستدل بما أظهره من كفر على فساد باطنه، ولا يحق لنا أن نستثني أعيانا معينين بدعوى وجود موانع للكفر مغيبة باطنية او قلبية غير ظاهرة، لأن ذلك إن كان ممكنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو غير متأت لنا ولسنا به مكلفين؛ لأن الوحي قد انقطع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام: (إن ناسًا كانوا يأخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقرّبناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءً لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال أن سريرته حسنة) رواه البخاري في صحيحه.