ففرق كبير واضح وجلي بين أن يكون المرء من أنصار الطواغيت ومن جواسيسهم الذين هم عيونهم وآذانهم وشوكتهم فيعمل ليل نهار على تثبيت عروشهم وشركياتهم ويظاهرهم على أعدائهم ولو كانوا من خيار الموحدين، وبين من كان جنديا من جنود الإسلام ومن خلاصة أنصار المسلمين؛ لكنه ضعف وزل زلة متأولا أن لا ضرر على المسلمين في هذه الزلة فأفشى سرا لهم، فالأول هو الذي يوصف بأنه تجسس للكفار ويسمى بجاسوس أو عين المشركين، أما الثاني فلا يحل وصفه بذلك بحال من الأحوال، ولذلك فقد أحسن البيهقي في سننه وأجاد؛ حين بوب لقصة حاطب بقوله: (باب: المسلم يدل المشركين على عورة المسلمين) (9/ 146) ، وبعد ذلك مباشرة بوب بقوله: (باب الجاسوس من أهل الحرب) (9/ 147) لكنه أورد في هذا الباب حديث عين المشركين الذي قتله سلمة بن الأكوع بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ونفله سلبه، وكذا حديث فرات بن حيان، فتأمل التفريق بين من كان بالفعل جاسوسا وعينا للمشركين ويتجسس نصرة لهم وإضرارا بالمسلمين، وتأمل حكم الرسول فيه، وبين من لم يكن كذلك، بل هو من جملة المسلمين وخلاصة أنصار الدين لكن أفشى سرهم متأولا أن لا ضرر في ذلك.
-ومع هذا تعالوا فلننظر إلى ظاهر هذه الزلة التي زلها حاطب، وكيف كان ينظر إليها الصحابة، وما حكمها عندهم مع أنها حادثة عين وزلة واحدة لهذا الصحابي، وليست هي جنس عمله ومنهجه، كما هو حال عساكر الشرك والتنديد.
فحاطب نفسه كان يعرف أن ظاهر مثل هذا العمل الأصل فيه أنه كفر وردة عن الدين، ومن فعله فإن الحكم الظاهر له أنه كافر مرتد، بل هذا الظاهر دليل على فساد الباطن كما تقدم في قوله تبارك وتعالى {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} ولا يخصص من هذا الظاهر أو يستثنى إلا من استثناه الله تعالى المطلع على البواطن أو النبي الذي يوحي إليه، لذلك كانت أول كلمات اعتذر بها حاطب للنبي صلى الله عليه وسلم أن قال كما في البخاري (ما فعلت ذلك كفرًا ولا إرتدادًا ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام)
والمبادرة منه رضي الله عنه إلى هذا القول من أظهر الأدلة على أن الصحابة قد كان مستقرا عندهم أن الأصل في ظاهر هذا العمل أن يكون ردة وكفرًا، وأنه دلالة على فساد الباطن كما في الآية ... ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (دعني أضرب عنقه) ، ولا يقال أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر على عمر فهمه بأن تلك الفعلة الأصل فيمن أظهرها الكفر .. كلا، فما في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك؛ ومن قال ذلك، فقد قوّل رسول الله صلى الله عليه وسلم مالم يقله، وإنما الذي قاله الرسول عليه الصلاة و السلام؛ أنه استثنى حاطبًا من أن يكون قد كفر في هذه الحادثة .. باطلاعه من طريق الوحي على سريرته وأنه لم يفعله نصرة للمشركين ومظاهرة لهم على الموحدين، وذلك بعد مقالة حاطب (ما فعلته كفرًا ولا ارتدادًا) فقال صلى الله عليه وسلم: (قد صدقكم .. )