الإصابة
في براءة الصحابي أبي لبابة
وقبل أن أختم هذه الرسالة أذكر أن أهل التجهم والإرجاء لم يفتروا على الصحابي حاطب وحده بأن ساووه بجند الطواغيت وعساكرهم، بل سمعت من بعضهم أيضًا من يدفع تكفير عساكر الشرك والتنديد بالطعن في صحابي آخر؛ هو أبو لبابة ابن المنذر الأنصاري؛ فوصفوه بالخيانة ونصرة المشركين على الموحدين؛ جازمين بأن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون} من سورة الانفال؛ قد نزل فيه، حيث استشاره حلفاؤه من بني قريظة بالنزول على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فأشار بيده إلى حلقه (يعني الذبح) ، ليخلصوا بذلك إلى أن عساكر الشرك والتنديد لا يكفرون إذ أن فعل أبي لبابة بزعمهم هو عين فعلهم ومع هذا لم يكفره النبي صلى الله عليه وسلم ..
فتأمل كيف تلاعب الشيطان بهم حتى طعنوا بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وصيروهم أنصارا للشرك والتنديد ليدفعوا بذلك ويجادلوا عن عساكر الطواغيت .. واحمد إلهك أن هداك إلى الحق المبين وعافاك مما زل وضل به كثير من الناس ..
واجعل لقلبك مقلتين كلاهما ... من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربك كنت أيضًا مثلهم ... فالقلب بين أصابع الرحمن
ثم يقال في هذا إن صح؛ ما قلناه في شأن حاطب أنه إفشاء لسر المسلمين وليس تجسسا عليهم، ولا مظاهرة ونصرة لليهود علي المسلمين، فبني قريظة قد خذلهم الله وتمكن منهم المسلمون وأحاطوا بهم، وكل ما في الأمر على أي حكم يستسلموا وينزلوا؛ وعلى هذا مدار الأثر لا غير؛ فكيف تصح مقايسته بواقع أنصار الطواغيت وجواسيسهم الذين يثبتون عروشهم ويقيمون سلطانهم وينصرون دولهم ويظاهرونهم على الموحدين ..
أقول هذا في حال القطع بثبوت الخبر، وإلا فالأمر كما قال الطبري بعد ان ساق روايات في أسباب نزولها .. فذكر ما يُروى من أنها نزلت في أبي لبابة .. وما يروى من أنها نزلت في رجل من المنافقين كتب إلى أبي سفيان في غزوة من غزوات النبي (إن محمدًا يريدكم فاحذروه) .
فقال رحمه الله: (ولا خبر عندنا بأي ذلك كان، يجب التسليم بصحته) أهـ.