ومعلوم أن السيرة فيها الصحيح والضعيف .. والمحتج بشيء من ذلك مطالب بإثباته أولًا .. فيقال لهم: اثبتوا العرش ثم انقشوا، وإلا فإن نقشتم قبل ذلك خرج نقشكم أعوجًا ..
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أبي لبابة: (روى ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ربوض(الربوض الثقيلة) بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه فما يكاد يسمع، وكاد أن يذهب بصره وكانت ابنته تحله إن حضرت الصلاة أو أراد ان يذهب لحاجة وإذا فرغ أعادته إلى الرباط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو جاءني لاستغفرت له) .
قال أبو عمر: (اختلف في الحال التي أوجبت فعل أبي لبابة بنفسه، وأحسن ما قيل في ذلك [1] ما رواه معمر عن الزهري قال: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية وقال: والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى يتوب الله علي أو أموت، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا حتى خر مغشيًا عليه ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تاب الله عليك يا أبا لبابة فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، قال: فجاء رسول الله صلة الله عليه وسلم فحله بيده. ثم قال أبو لبابة .. يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن انخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى الرسول، قال: يجزئك يا أبا لبابة الثلث) .
وروي عن ابن عباس من وجوه، في قوله تبارك وتعالى {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئا} أنها نزلت في أبي لبابة ونفر معه سبعة أو ثمانية أو تسعة تخلفوا عن غزوة تبوك ثم ندموا وتابوا وربطوا أنفسهم بالسواري فكان عملهم الصالح توبتهم، وعملهم السيئ تخلفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عمر: ( .. وقد قيل [2] أن الذنب الذي أتاه أبو لبابة كان إشارة إلى حلفائه من بني قريظة أنه الذبح، إن نزلتم على حكم سعد بن معاذ وأشار إلى حلقه .. ) أهـ
وقد ذكر الخلاف في ذلك ابن الأثير في كتاب أسد الغابة.
فتأمل يا أخا التوحيد حال حجج القوم التي يتلقفونها من هنا وهناك، ليصادموا بها النصوص المحكمات ويطعنوا بها في نحر قواعد الإسلام وجباله الراسيات؛ فإنها نصوص مختلف فيها محتملة الدلالة، غير قطعية الدلالة على ما ذهبوا إليه، ويحتاجون أولًا إلى اثباتها
(1) تأمل هنا قوله (وأحسن ما قيل في ذلك) فإنه ترجيح منه.
(2) وتأمل قوله هنا (وقد قيل) فإنها صيغة تمريض وتضعيف.