الصفحة 102 من 111

قبل أهل الرسوخ في العلم بعيدا عن الاجتهادات الخاصة التي قد تمهد للعدو عدوانه وتعطيه الذريعة لتحقيق مآربه، هذا غاية ما قالوه، وعند تمحيص هذا القول نجد أنه أولا: لا يقوم على دليل يعتمد عليه من كتاب أو سنة صحيحة، ثم إنه عند التدقيق نجد أن الجهاد إما أن يكون فرضا على الأعيان وذلك إذا تغلب الكفار على بلاد المسلمين، وفي هذه الحالة لا يُشترط لدفعه شرط سوى الاستطاعة هذا هو المنصوص المتفق عليه بين العلماء، وإما أن يكون الجهاد فرض كفاية يندب إليه أمير المؤمنين ويعد له الألوية وينظم له الجيوش وكل هذا راجع للأمير لا نعلم في ذلك نزاعا ويندب للأمير أن يستشير العلماء في ذلك على غير جهة الإلزام.

ولكن من هم العلماء الذين ينبغي استشارتهم وهل هم الذين يتنقلون في السيارات المكيفة من مدينة إلى مدينه لإلقاء محاضرة في مسجد معطر أو قاعة مؤتمرات، أم هم الذين يعيشون فوق ذرى الجبال ينتقلون من معسكر إلى آخر ومن خندق إلى جبهة، وهل المعتبر في أمر الجهاد هم القاعدون ولو كانوا علماء أم أهل السلاح والشوكة الذين تسيل دماؤهم لتروي شجرة الجهاد وليُرفع لواؤه؟

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين، فلا يؤخذ برأيهم ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا. اهـ [1] ، ولا شك أن أول من يخرج بهذا القيد هم أهل الدين الذين لا يعرفون الجهاد إلا من خلال الكتب فقط ولم يغبروا قدمهم في سبيل الله تعالى.

إن من يُؤخذ رأيهم في الجهاد من العلماء هم علماء الجهاد والمجاهدين، الذين لهم قصب السبق في نصرة المجاهدين وإيوائهم والذب عن أعراضهم، العلماء الذين تكلموا بالحق يوم أن سكت غيرهم، وكتبوا وأفتوا حين جبن غيرهم، ودافعوا عن الجهاد والمجاهدين يوم أن افترى عليهم، وحرضوا حين خذل غيرهم، فهم بحق الداخلون في قول الله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [2]

فإن كان المقصود الرجوع إلى أمثال هؤلاء الراسخين الصادقين فلا كلام، أما إن كان المقصود الرجوع إلى علماء السلطان العملاء الآكلين على كل الموائد، الذين يصدرون الفتاوى والمقالات التي ترضي الطواغيت وتسخط الرب تعالى فمنهم من يرسل تعازيه الحارة إلى قتلى النصارى ويأسف لقتلهم ويأمر بالقبض على المجاهدين وتسليمهم إلى أئمة الكفر في أمريكا لعقابهم حسب قانونهم الكفري، ومنهم من يجيز لمن ينتسبون إلى الإسلام في جيوش

(1) الفتاوى الكبرى ج 4/ 609.

(2) سورة فاطر، الآية: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت