بل قد ذهب أحمد يس أبعد من هذا، فقد أكد على احترام بل وتقديس إرادة الشعب الوطنية حتى لو اختار غير الإسلام حاكما، فقال في جواب سؤال: الشعب الفلسطيني يريد دولة ديمقراطية، وأنت لماذا تعانده؟ أجاب يس: وأنا أيضا أريد دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب، والسلطة فيها لمن يفوز في الانتخابات، السائل: لو فاز الحزب الشيوعي، فماذا سيكون موقفك؟ الشيخ: حتى لو فاز الحزب الشيوعي فسأحترم رغبة الشعب الفلسطيني، السائل: إذا ما تبين من الانتخابات أن الشعب الفلسطيني يريد دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب، فماذا سيكون موقفك حينئذ؟ الشيخ: والله نحن شعب له كرامته وله حقوقه، إذا ما أعرب الشعب الفلسطيني عن رفضه للدولة الإسلامية، فأنا أحترم وأقدس رغبته وإرادته. وأترك الحكم للقارئ الكريم أن يحاكم هذه الأقوال وخاصة الأخير منها إلى أصول التوحيد وقواعد الإسلام ليعلم كم جنى الفكر والمنهج القومي وأزرى بأصحابه وحسبنا الله ونعم الوكيل، وما ذكرناه هنا إنما هو قطرة من بحر القومية الخبيث، وإلا ففي الجعبة الكثير.
وقد ذهب من ردد شبهة الفرق بين الخارجي والوطني إلى أن الطريقة المثلى لدفع العدو الخارجي هي الجهاد كما قال الألباني: وأما الكفار المستعمرون فلا طاعة لهم، بل يجب الاستعداد التام مادة ومعنى لطردهم وتطهير البلاد من رجسهم.
ولنا أن نسألهم: لماذا قلتم إن طريق الخلاص من ظلم الحكام الكفار الوطنيين هو تغيير ما بالأنفس بالعلم والتربية والتصفية وعدم الخروج عليهم، ثم قلتم إن طريق الخلاص من العدو الخارجي مثل اليهود هو طريق الجهاد، مع أن كلا من الحكام المرتدين واليهود هم كفار تسلطوا على المسلمين؟ فلماذا فَرَّقتم بين أسلوبي المواجهة؟ بل إن الواقع شاهد حي على أن اليهود ما كان لهم أن يتمكنوا من فلسطين ولا أن يقر لهم قرار بعد تمكنهم إلا عن طريق خيانة الحكام الوطنيين الذين باعوا فلسطين بأبخس الأثمان مقابل الحفاظ على عروشهم المهترئة، وهذا قد أصبح معلوما لكل من يعرف شيئا عن تاريخ الأمم والشعوب.
أما من حيث التفريق بين العدو الوطني والأجنبي فلا نعلم للقوم حجة تقوم على ساق، حيث أن العلة في جهاد الكافر الوطني هي الكفر والخروج عن الإسلام، وهي نفسها موجودة في الكافر الأجنبي، والشريعة قد صرحت بأن المرء إن كان من نفس الوطن بل من أقرب الناس ثم كفر فإنه يجب التبرؤ منه ولا يجوز الانتماء إليه ولا انتماؤه إلينا، قال تعالى (لا تجد قوما يؤمنوا بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) ، فهل هناك نص أصرح من هذا في قطع العلاقة بين المسلم والكافر ولو كان أقرب قريب،