وهذا المعنى واضح أيضا في قول إبراهيم الخليل لقومه وقد كان فيهم أباه وعشيرته (إنا برءاؤ منكم ومما تعبدون) الآية، ولذلك فقد قال النبي (ألا إن آل فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين) وزاد عنبسة بن عبد الواحد عن بيان عن قيس عن عمرو بن العاص قال (ولكن لهم رحم أبلها ببلالها) يعني أصلها بصلتها [1] ، قال ابن حجر في شرحه: وسياق الحديث مشعر بأنهم من قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم وهي قريش، بل فيه إشعار بأنهم أخص من ذلك لقوله (أن لهم رحما) . اهـ [2] ، فقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أقرب الناس إليه أولياءه وأثبت حقهم في الصلة للرحم التي بينه وبينهم،
وأصرح من كل ما سبق قول الله تعالى في الرد على نوح حيث دعا الله تعالى أن ينجى ابنه، فقال تعالى (يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) [3] ، فانظر كيف جعل الله تعالى ابن نوح الذي من صلبه أجنبيا عنه وليس من أهله لأنه عمل عملا غير صالح ولم يؤمن بدعوة الحق، وقال تعالى (إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) [4] ، فالكافر عدو للمؤمن أيا كان قريبا أو بعيدا محليا أو أجنبيا، والغرض من ذكر هذه الأدلة بيان أن العداوة بين المؤمن والكافر متعلقة بوصف الكفر، هذا هو مناط الحكم، وليس بوصف آخر ككون الكافر قريبا أو بعيدا أجنبيا أو وطنيا، لأن العداوة واجبة وإن كان الكافر هو ابنك أو قومك أو عشيرتك، ووصف الكفر إذا قام بالوطني كانت البراءة منه واجبة مثل الكافر الأجنبي سواء بسواء ولا فرق، وإذا تسلط على المسلمين ببلد ما كافر وطني كان جهاده واجبا مثل الأجنبي إذا تسلط عليهم ولا فرق، فمناط الحكم واحد في الحالتين ومن فرق بينهما فعليه الدليل، وكما أوضحنا فإن من كفر من الوطنيين قد صار بكفره أجنبيا عنا قال تعالى (إنه ليس من أهلك) ، فخرج بكفره من أهله وصار أجنبيا عنه، ولا أدري كيف يغيب هذا المعنى الواضح عن هؤلاء وفيهم من يُقال عنه: محدث الأمة أو مجدد القرن؟
ولقد صدق من قال:
آل النبي همو أتباع ملته ... على الشريعة من عجم ومن عرب
لو لم يكن آله إلا قرابته ... صلى المصلى على الطاغي أبي لهب
على أنه قد ثبت في الشريعة أن هناك أوصافا أخرى تؤثر في الحكم، مثل كون هذا الحاكم الكافر أصلي أو مرتد،
(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رصي الله عنهما
(2) فتح الباري ج 10/ 420.
(3) سورة هود، الآية: 46.
(4) سورة النساء، الآية: 101.