الله تعالى ما حرمه هذه النعمة إلا بما كسبت نفسه من ضعف همة وخوار عزيمة وحرص على الدنيا وركون إليها مهما سمى قعوده حكمة، كل هذا ثابت من صريح الأدلة، وقد قدمنا من التفصيل في ذلك ما يغني عن إعادته، فهل الذين ينهون شباب المسلمين عن القيام بفرض الجهاد اليوم بحجة عدم حصول القوة اللازمة له قد انشغلوا بالإعداد له لرفع حالة الضعف والعجز هذه؟ الإجابة على ذلك واضحة لكل ذي عينين.
والسؤال الثاني الذي يطرح نفسه هنا وهو هام في فهم الجواب عن قولهم وهو: إن استطاع بعض أفراد أو جماعات المسلمين في مكان ما القيام بفريضة الجهاد في سبيل الله وإحداث نوع نكاية في أعداء الله ورسوله والمؤمنين فهل يجوز له ذلك وإن لم يُحدث التغيير الكامل المنشود؟ وهذا موضع لم يحققه كثير ممن ينهى الشباب الآن عن الجهاد سواء في صفوف الجماعات الإسلامية أو القاعدين.
ونطرح السؤال بطريقة أخرى أكثر تفصيلا وواقعية: هل يجوز لبعض المجاهدين القيام بعمليات جهادية لمجرد إحداث نكاية في بعض أفراد العدو، أو لقتل طاغوت من الطواغيت مؤذ لعباد الله، أو لنسف قاعدة عسكرية للعدو وتدمير سلاحه أو حرقه، أو تدمير سفينة من سفنه أو مدمرة من مدمراته أو طائرة من طائراته ... إلخ، مع أنهم يعلمون يقينا أن عملهم هذا لن يغير بمفرده نظاما طاغوتيا قائما أو يحسم نتيجة معركة، ولكنه ولا شك سيؤثر في ذلك ولو على المدى البعيد، ويحدث نكاية وربما رعبا في أفراد هذا النظام أو في جيش العدو، أو يجرؤ قلوب المؤمنين ... إلخ، ومن يقوم بهذا العمل يعلمون أنهم ربما يقتلون أو يسجنون ويُقدِمون على عملهم هذا وهم على استعداد تام لتحمل نتيجته؟ فهل يجوز عملهم هذا؟ وهل هو جهاد في سبيل الله مع أن الحالة العامة قد تكون حالة ضعف وعجز؟ وهل لمن نهاهم عن هذا العمل واعتبرهم مخربين أو مفسدين أو سفهاء أو متهورين أو مفتأتين على الأمة وجه؟ هذا هو مربط الفرس، وهذه الأسئلة تتكرر كثيرا على ألسنة الشباب المجاهدين والمخالفين لهم أيضا، وللإجابة على هذه الأسئلة نقول وبالله تعالى التوفيق:
أولا: إن من الثابت المستقر من أدلة الشريعة أن القدرة أحد شروط الوجوب في كل الواجبات الشرعية، وأن المكلف إن لم يكن مستطيعا لعمل ما - على الحقيقة لا ادعاء - فإنه غير مكلف به حالة عجزه عنه، وأن العاجز لا يأثم في تركه ما عجز عنه، فمن لم يجد سلاحا بعد اجتهاده في الحصول عليه أو لم يجد نفقة الطريق للسفر إلى مواطن الجهاد، أو مرض فلم يستطع ذلك، أو منعه شيء خارج عن إرادته فهو معذور غير مأزور ولا شك، بل قد يحوز كثيرا من الأجر بصالح نيته وجهده، قال تعالى (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما