الصفحة 75 من 111

أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) [1] ، وقال تعالى (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) [2] ، فقد بين الله تبارك وتعالى في هذه الآيات الكريمات أنه قد أسقط الإثم والحرج والعتاب عن الضعفاء الذين لا يستطيعون تحمل مشقات السفر والنزال لضعفهم الذي قدره الله عليهم جبلة وخلقة، وقد أسقط الرحمن الرحيم الحرج كذلك على من أراد الجهاد وسعى للقيام به ولكنه مرض أو لم يجد النفقة اللازمة له من دواب وجهاز إذا كان هؤلاء جميعا من المحسنين والناصحين لله ولرسوله ولأهل الإيمان، فهذا شرط منصوص عليه لرفع هذا الحرج والإثم والعقوبة في الدنيا والآخرة، فقد ذكرت الآيات أنهم حينما لم يجدوا ما يتجهزون به للخروج إلى الغزو تولوا وهم يبكون على ما فاتهم من كرامة الجهاد وما ينالونه من عظيم الأجر في الخروج.

أما من فرح بتخلفه عن المجاهدين ورضيت نفسه بالتخلف، ولم يخلف المجاهدين في أهليهم بخير، أو خلفهم بالشر والتخذيل والتثبيط، أو صد الناس عن الجهاد بحجة بُعْدِ الطريق وشدة الحر أو البرد أو عدم الإمكان أو كثرة العدو أو شدته وعدم قدرة المجاهدين على مواجهته أو سمى الجهاد إرهابا والمجاهدين إرهابيين وحض الحكام على قتلهم أو عاون أعداء الجهاد وكان من حزبهم، فليس هذا بمحسن ولا ناصح لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل فيه شبه من المنافقين الأوائل مستحق للإثم ومأواه جهنم وبئس المصير، ولذلك فقد عقب الله تعالى هذه الآية بقوله (إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون) .

ومما يدل على ما ذكرنا أيضا حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد خرج مع الجيش: (لقد تركتم بعدكم قوما ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم فيه) قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: (حبسهم العذر) [3]

قال ابن حجر: والمراد بالعذر ما هو أعم من المرض وعدم القدرة على السفر ... إلى قوله: وفيه أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل. اهـ [4]

وقال القرطبي رحمه الله في شرح هذه اللفظة (حبسهم العذر) : فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطي أجر الغازي، فقيل: يحتمل أن يكون أجره مساويا، وفي فضل الله متسع وثوابه فضل لا استحقاق، فيثيب على النية

(1) سورة التوبة، الآية: 91 - 92.

(2) سورة الفتح، الآية: 17.

(3) رواه البخاري عن أنس، وأخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر بلفظ (حبسهم المرض) .

(4) فتح الباري ج 6/ 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت