الصالحين منهم والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم، وفي الحديث الصحيح (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [1]
وقال الشوكاني رحمه الله: فنفى سبحانه عن هؤلاء الحرج وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم غير واجب عليهم مقيدا بقوله (إذا نصحوا لله ورسوله) وأصل النصح إخلاص العمل من الغش ومنه التوبة النصوح، قال نفطويه: نصح الشيء إذا خلص ونصح له القول أي أخلصه له والنصح لله الإيمان به والعمل بشريعته وترك ما يخالفها كائنا ما كان ويدخل تحته دخولا أوليا نصح عباده ومحبة المجاهدين في سبيله وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه ونصيحة الرسول التصديق بنبوته وبما جاء به وطاعته في كل ما يأمر به أو ينهى عنه وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه ومحبته وتعظيم سنته وإحياؤها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة. اهـ [2]
وبيَّن الألوسي رحمه الله حقيقة النصح في هذه الآية فقال: (إذا نصحوا لله ورسوله) بالإيمان والطاعة ظاهرا وباطنا كما يفعل الموالي الناصح، وقد يراد بنصحهم المذكور بذل جهدهم لنفع الإسلام والمسلمين بأن يتعهدوا أمورهم وأهلهم وإيصال خبرهم إليهم ولا يكونوا كالمنافقين الذين يشيعون الأراجيف إذا تخلفوا ... إلى قوله: (ما على المحسنين من سبيل) أي ما عليهم سبيل فالإحسان النصح لله تعالى ورسوله، وهو من بليغ الكلام لأن معناه: لا سبيل لعاتب عليهم، أي لا يمر بهم العاتب ولا يجوز في أرضهم فما أبعد العتاب عنهم، و (المحسنين) على عمومه أي ليس عليهم حرج لأنه ما على جنس المحسنين سبيل وهم من جملتهم. اهـ [3]
ويمكن ترجمة ما ورد في الآية وتفسيرها مما يجب على أهل الأعذار عمليا في الجهاد بما يلي:
1 -إخلاص النية وصدقها: بأن تكون نفسه مريدة للجهاد حقا، كهؤلاء الذين وصف الله تعالى حالهم بقوله (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع) ، والمعذور الذي لا يغزو إن لم تحدثه نفسه بالغزو فإنه يخشى عليه من النفاق، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) [4] ، والنية عمل من أعمال القلب، والعمل الصحيح لابد وأن يسبقه علم صحيح، والعلم المراد هنا هو أن يعلم المعذور - وأولى
(1) القرطبي ج 8/ 226، 227، راجع: تفسير الطبري ج10 211ـ212، تفسير أبي السعود ج4/ 92، والحديث الأخير رواه البخاري ومسلم وأحمد والبيهقي والطبراني والبزار.
(2) راجع فتح القدير ج2/ 39، زاد المسير لابن الجوزي ج3/ 485
(3) روح المعاني للألوسي ج10/ 158، راجع تفسير ابن كثير ج2/ 382.
(4) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي والحاكم وأبو عوانة.