العلماء أن الآية عامة تتناول كل مجاهد في سبيل الله أو مستشهد في ذاته أو مقتول في تغيير المنكر [1]
قال القرطبي رحمه الله: أصل الشراء بين الخلق والخالق أن يعوضوا عما خرج من أيديهم بما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج منهم في النفع، فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته وإهلاكها في مرضاته وأعطاهم سبحانه الجنة عوضًا عنها إذا فعلوا ذلك، وهو عوض عظيم لا يدانية المعوض ولا يقاس به، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء فمن العبد تسليم النفس والمال ومن الله الثواب والنوال فسُمي هذا شراءً. [2]
2ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري - جد عاصم بن عمر - فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة - وهو بين عسفان ومكة - ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب فاقتصوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدا، قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم، إن في هؤلاء لأسوة يريد القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه فانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة [3] ، فقد أبي هؤلاء الصحابة الكرام أن ينزلوا في ذمة كافر وهم يعلمون أنهم مقتولون وكذلك الذي ائتسى بهم فلم يصحب أهل الغدر وهو يعلم أنهم قاتلوه، ولا شك أن قدرة عاصم ومن معه لم تكن تبلغ أن يقاتلوا مائة رام، وقد كان لهم مندوحة في ترك القتال، ومع ذلك أبى عاصم رضي الله عنه إلا أن يقاتلهم فقاتلهم حتى قتل، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم فعله بل حسنه وحض عليه غيره، ولا شك أن ذكر حكايتهم وإخبار الله تعالى لنبيه بقصتهم وسكوته عليها دلالة على صحة ما فعلوه.
3ـ عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: سمعت أبي وهو يحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله يقول هذا؟ قال: نعم، فرجع الرجل إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى
(1) راجع تفسير الطبري ج2/ 320، القرطبي ج3/ 20، ابن كثير ج1/ 248
(2) تفسير القرطبي ج8/ 267.
(3) رواه البخاري.