منذ الإستقلال الجزئي للجزائر و الحركات الإسلامية في صدام مع النظام، رغم تنوّع أساليب الحركة الإسلامية في كشف منكر النظام و محاولة تغييره، إلاّ أنّ النظام له أسلوب إستراتيجي واحد لم يتغيّر في تعامله مع الحركات الإسلامية المتنوّعة.
فبعد الإستقلال الجزئي إختار النظام نمط الإشتراكية في الحكم، فقامت جمعية العلماء المسلمين بقيادة العلاّمة محمد البشير الإبراهمي في صدّ هذا المنكر، فما كان من نظام بن بلّة يومها إلاّ قمع الجمعية فقاموا بحلّها و التضييق على رجالها، فأحالوا العلامة محمد البشير الإبراهيمي إلى الإقامة الجبرية إلى أن لقي الله سبحانه و تعالى، و كان ذلك في 19/ 05 / 1965.
و في هذه الأثناء تأسست جمعية إسلامية إسمها"القيم"و كان ذلك في حوالي سنة 1963 و كان رئيسها الشيخ الهاشمي تيجاني، وكلمّا كان النظام يتجاوز حدّه إلاّ و يقوم علماء و مشايخ هذه الجمعية بالبيان و الإنكار فما كان من النظام إلاّ حلّ الجمعية و كان ذلك سنة 1966 بعدما أقالوا الشيخ الهاشمي تيجاني من منصبه كأمين عام للجامعة الجزائرية سنة 1964.
لم يتوقف جهد العلماء فكانوا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، فألّف العلاّمة عبد اللطيف سلطاني رحمه الله كتابا مُنع من الطبع يردّ فيه على نمط الحكم الّذي إختاره نظام بومدين و سمّى كتابه المزدكية أصل الإشتراكية.
كما كان العلامة مصباح حويذق رحمه الله يصدع بالحق من فوق المنابر فما كان من النظام البومديني إلاّ إعتقاله و تعذيبه ثمّ احالوه إلى الإقامة الجبرية إلى أن مات شهيدا نحسبه و الله حسيبه و كان ذلك يوم الاربعاء 28/ 2/ 1973 بمستغانم
و بعد عهد بومدين و في عهد الشاذلي رأينا كيف قام ثلّة من العلماء و المشايخ حيث نظمّوا تجمّعا داخل الجامعة المركزية في شهر نوفمبر سنة 1982 فندّدوا بنمط حكم النظام و نادوا بضرورة إقامة شرع الله، فكانت الإستجابة من النظام هو القمع و التضييق على المشايخ، فسجنوا العلامة أحمد سحنون رحمه الله، و قاموا بإعتقال العلامة عبد اللطيف سلطاني يوم 25/ 11 / 1982 قبل الفجر بساعتين و كان سنّه يومئذ 80 سنة، لم يشفع سنّه للنظام، و بعد محاكمة شكلية على نمط الأنظمة الطاغوتية وُضع الشيخ تحت الإقامة الجبرية في بيته المحروس من الخارج إلى أن مات رحمه الله تعالى يوم الخميس 14/ 04 / 1983 قبل الفجر، و شهد جنازته عشرات الآلاف من شباب الصحوة و كاد أن تنقلب الجنازة إلى مظاهرة شعبية ضدّ النظام لولا فضل الله ثمّ جهد العلماء الّذين حضروا الجنازة و كان على رأسهم العلامة عمر العرباوي رحمه الله تعالى، و إلاّ لكانت جنازات أخرى للشباب.
و بعد أحداث أكتوبر 1988 رأينا كيف إختارت جلّ الحركات الإسلامية طريقة العمل الحزبي تحت مظلة الديمقراطية للتغيير، هل شفع لهم هذا الإختيار عند النظام؟ كلاّ، عرفنا لمّا فازت جبهة الإنقاذ قاموا بالإنقلاب على ما يسمّى بإختيار الشعب، و حلّوا الحزب الفائز، و قتّلوا الشعب عقوبة على إختياره، و أصدروا قانون الأحزاب يمنع منعا مطلقا على مجرّد التفكير في إقامة دولة يحكمها شرع الله تعالى.
فرغم هذه الأنماط المتنوّعة الّتي يُطلق عليها طرقا سلمية لتغيير المنكر إلاّ انّ النظام كان دوما يستعمل أسلوبا واحدا رغم تغيّر الرؤساء و الإديولوجيات، ممّا يدلّ أنّ وراء هذه الإنتهاكات هي جهة واحدة، إذ أسلوب الجرائم واحد، و هكذا يعرف المحققون الدوليون نوعية الجرائم و تحديد مرتكبيها؛ فلكم أن تعرفوا من يقف وراء هذه الجرائم منذ الإستقلال الجزئي إلى الآن.
و رغم هذه الطرق السلمية لتغيير المنكر إلاّ أنّ النظام منذ 1962 إلى الآن و هو يستعمل أسلوب القهر و التضييق و الإرهاب و العنف، فليس كما يظنّ بعض السذّج أنّ النظام لجأ إلى العنف لمّا إستعملت الحركة الإسلامية العنف كما يزعمون، فهذا كذب و تدليس و زور، حيث عرفنا أنّ أكثر الحركات الإسلامية أرادت تغيير المنكر من خلال طلب الإذن و الرخصة من أهل المنكر، أقصد الأسلوب الحزبي في تغيير المنكر، و مع ذلك إستعمل النظام نفس أسلوبه القمعي الإرهابي في مواجهة الحركات الإسلامية (المسالمة) كما تدّعي لنفسها.