الصفحة 4 من 11

قال ابن كثير رحمه الله: (هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله, ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظار الفرج من ربه عز وجل, صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين, ولهذا قال تعالى للذين تقلقلوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، أي هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم) .

إذًا كيف تشح بنفسك في أمر جاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فيه؟! بل تمنى أن يكون فراقه للدنيا شهادةً في سبيل الله، بقوله صلى الله عليه وسلم: (وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل) ؟

فاحذر ذلك كل الحذر أيها القاعد عن الجهاد، فكيف إذا كنت قاعدًا، مثبطًا، مبلغًا الطواغيت عن المجاهدين، أو آمرًا بالتبليغ عنهم؟ إنها ظلماتٌ بعضها فوق بعض، ولكن: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} .

وكما قال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ} ، فكل معرض عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم سيندم يوم القيامة غاية الندم، فلا ينفعه تأسفه وتحسره وحزنه، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} .

وقد ختم الله الرسالات برسالته، فمن رحمة الله تعالى بالعباد أن أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم ثم من تشريفه لهم خَتْمُ الأنبياء والمرسلين به، وإكمالُ الدين الحنيف له.

وقد أخبر الله تعالى في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما تواتر عنه؛ أنه لا نبي بعده، فمن ادعى هذا المقام بعده فهو كافرٌ كذابٌ دجالٌ ضالٌ مضلٌ، كما قال تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} .

فليحذر المسلم - وخاصة أنتم أيها المجاهدون وفقكم الله وسددكم - من مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

قال ابن كثير رحمه الله: (أي عن أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت