الصفحة 8 من 9

ويكون من أهداف هذا الإطار أو الكيان تحديد أولويات العمل الإسلامي، وتحديد منطلقاته، وضبط مسيرته، والدفاع عن قضايا المسلمين، والتحدث باسم الأمة المسلمة، فيكون بذلك استجابة حقيقية لواجب المرحلة، وتعبيرًا صادقًا عن ضمير الأمة المسلمة، ورغبات شعوبها وبديلًا عمليًا عن المؤتمرات والهيئات السلطانية التي يخدر بها الطواغيت مشاعر الشعوب المسلمة، ويتأَمرون من خلالها على الإسلام والمسلمين.

إن إحياء هذا المنهج منهج الوحدة والاجتماع، وترك الفرقة والنزاع، إحياءه بالقول والعمل، والدعوة والممارسة، يجب أن يحتل مكانه في الأولويات عند العاملين للإسلام بمختلف جماعاتهم وتنظيماتهم، هؤلاء العاملين الذين نرى أنهم يمثلون بمجموعهم عناصر الطائفة المنصورة في هذا العصر، التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) .

ولا يقدح في انتساب هؤلاء لهذه الطائفة تنوع اهتماماتهم وتباعد بلدانهم ما داموا ملتزمين بالأصول السابقة التي التقى عليها أهل السنة والجماعة عبر التاريخ، فالطائفة المنصورة فسرها العلماء تفسيرات تصدق على حال العاملين للإسلام اليوم.

يقول النووي رحمه الله في شأن هذه الطائفة: (يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاعٍ وبصيرٍ بالحرب وفقيه ومحدث ومفسرٍ وقائمٍ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلدٍ واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطرٍ واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعضٍ منه دون بعض) .

هذه الطائفة هي أمل الأمة اليوم في هذا العصر الذي ادلهمت فيه الظلمات والخطوب، وتلاحقت المصائب والكروب، وتداعى الأعداء على أمة الإسلام تداعي الأكلة إلى قصعتها، فصارت الأمة الإسلامية إلى الحال التي ذكرنا بعض ملامحها سابقًا، فالطائفة المنصورة هي الأمل في هذا الوضع، فبعلم الكتاب والسنة الذي تبثه وتنشره تضيء للأمة طريق النجاة وسبيل الهدى، وبالدعوة إلى الله التي تقوم بها تخرج الناس من ظلمات الكفر والمعاصي إلى نور الهداية والطاعة، وبالجهاد والإعداد الذي تمارسه تحمي العقيدة والدين وتدافع عن العرض والأرض وتمكن لدولة الإسلام على أرضه، وبما تنشره من الوعي والفهم بين الناس تستنفر طاقات الأمة ومشاعرها للنهوض بمسئوليتها التي هيّأها الله لها وجعلها بها خير أمة أخرجت للناس.

وهذه الطائفة ليست حِكْرًا على أحد فكل من اتصف بصفاتها كان منها، والمشاركة في الواجبات والمسؤوليات التي تقوم بها هي فرض على جميع المسلمين، على الرجل والمرأة، والشاب الصغير والشيخ الكبير، والثري الغني والمعدم الفقير، والظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات، والعالم وغيره، وكل هؤلاء يستطيعون المشاركة في النهوض بالمسؤوليات والواجبات السابقة بما تيسر، فالدعوة الصادقة، والنصيحة الخالصة، والاقتراح الهادف، والدفاع المنصف، والكلمة الطيبة، والدرس الخاص، والمحاضرة العامة، والكتيب والشريط، والمقالة والمشروع الخيري، والموقف المحمود ... الخ، كل هذه الأعمال مطلوبة ومرغوبة ولها دور مهم في النهوض بتلك الواجبات والمسؤوليات فالرسول صلى الله عليه وسلم قد علمنا ألا نحقر من المعروف شيئًا.

وعلى الرغم من تعدد الواجبات والمسؤوليات الملقاة على عاتق العاملين للإسلام اليوم، وتعدد وسائل النهوض والقيام بتلك الواجبات والمسؤوليات، فإن العمل على إصلاح ذات بين المسلمين والقضاء على أسباب ومظاهر الخلاف، وبيان منهج أهل السنة والجماعة في ذلك تبقى له الأولية في تلك الواجبات، لأن أكثر تلك الواجبات إن لم نقل كلها لا يمكن القيام بها في جو الفرقة والخلاف والتعصب والتحزب، فما أحرى القيادات الإسلامية والعلماء والدعاة بإحياء هذا المنهج في الساحة الإسلامية، قولًا في خطبهم ودروسهم ولقاءاتهم وتوجيهاتهم، وعملًا بتجسيده في علاقاتهم وسلوكهم مع إخوانهم، حتى تأتلف القلوب وتجتمع النفوس، وتتوحد الطاقات والجهود ضد العدو الخارجي، فيتحقق بذلك فينا ما وصف الله تعالى به الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم بقوله: {محمدٌ رسول الله والذين معه أشداءُ على الكفار رحماء بينهم} ، فإن القوم إذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، وإذا تفرقوا فسدوا وهلكوا.

وهل هنالك عمل - في مثل ما نعيشه من خلافات اليوم - أفضل من إصلاح ذات بيننا؟ أم هنالك أخطر من فساد ذات البين هذه؟

إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) .

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن حال الأمة اليوم أوضح مصداق لهذا الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت