الصفحة 7 من 9

كثيرًا ما يطرح المثبطون والأعداء، بل وبعض المخلصين المشفقين أسئلة من قبيل: كيف يمكن أن يجتمع أو يتعاون العاملون للإسلام اليوم من جماعات وأفراد بعد أن بلغت الخلافات الفكرية والشخصية منهم كل ما بلغت؟

وإجابة على هذه التساؤلات نضع هذه المعالم لنؤكد من خلالها أن أسباب ومظاهر الخلاف الموجودة بين المسلمين مهما بلغت فإنها أقل وأضعف من عوامل الوحدة والاجتماع الموجودة إذا ما صدقت النيات وتحركت الإرادات والعزائم خاصة إذا علمنا أن الاختلاف الحاصل بين كثير من الجماعات والدعاة والعاملين للإسلام هو من اختلاف التنوع المشروع، وليس من اختلاف التضاد الممنوع.

يقول ابن تيمية عن حقيقة هذا النوع من الاختلاف: (واختلاف التنوع على وجوه، منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقًا مشروعًا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة، حتى زجرهم عن الاختلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال:(كلاكما محسنٌ". ومنه؛ اختلاف الأنواع في صفة الأذان والإقامة والاستفتاح والتشهدات وصلاة الخوف وتكبيرات العيد وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك مما قد يُشرع في جميعه وإن كان يُقال أن بعض أنواعه أفضل، ثم نجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها، وهذا عين المحرم، ومن لم يبلغ هذا المبلغ فتجد كثيرًا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن الآخر أو النهي عنه، ما دخل به فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم) ."

(ومنه - أي اختلاف التنوع - ما يكون كلٌ من القولين هو في معنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، كما يختلف كثيرٌ من الناس في ألفاظ الحدود وصيغ الأدلة والتعبير عن المسميات وتقسيم الأحكام وغير ذلك، ثم الجهل والظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى. ومنه؛ ما يكون المعنيان غيرين، لكن لا يتنافيان، فهذا قولٌ صحيحٌ وهذا قولٌ صحيحٌ، وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، وهذا كثيرٌ في المنازعات جدًا) .

(ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان ورجلٌ أو قومٌ سلكوا هذا الطريق، وآخرون قد سلكوا الأخرى وكلاهما حسنٌ في الدين، ثم الجهل أو الظلم يحمل على ذم إحداهما أو تفضيلها بلا قصدٍ صالح أو بلا علم أو بلا نية ولا علم) .

ثم يقول رحمه الله عن المختلفين هذا النوع من الاختلاف: (وهذا القسم الذي سميناه اختلاف التنوع، كلُ واحدٌ من المختلفين يصيب فيه بلا تردد، لكن الذم واقعٌ على من بغى على الآخر فيه) .

إذا علمنا ذلك سهل علينا الخطب وهان الأمر، وأدركنا أن كثيرًا من خلافاتنا من قبيل خلاف التنوع لا خلاف التضاد.

وفيما يلي سنحاول استعراض أهم معالم الإطار الجامع للعاملين للإسلام اليوم ...

المَعْلَمُ الأول: الوحدة في الأصول:

ونعني بالوحدة في الأصول وحدة أصول المعتقد عند معظم العاملين للإسلام وهي الأصول العامة لأهل السنة والجماعة في أبواب المعتقد المختلفة.

وكذلك وحدة منهج التلقي عند أهل السنة والجماعة أيضًا وهو المنهج القائم على العمل بما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة في تقديرٍ واحترامٍ لأئمة أهل السنة وعلمائهم بمن فيهم الأئمة الأربعة وغيرهم ..

وكذلك الوحدة في الهدف وهو إعلاء كلمة الله تعالى والعمل على التمكين لدينه وإقامة الدولة الإسلامية التي تُحَكِّمُ شرع الله تبارك وتعالى.

وكذلك الوحدة في ضبط الوسائل بالضوابط الشرعية بحيث تكون هذه الوسائل مع اختلافها في طبيعتها - من دعوية أو جهادية مثلًا - مضبوطة بالضوابط الشرعية في جميع الظروف والأحوال.

هذه من أهم الأصول المطلوب الاتفاق عليها، وأغلبُ الفصائل والحركات الإسلامية على امتداد العالم الإسلامي اليوم متفقة عليها ولله الحمد.

والحق أن هذه الأصول تمثل حدًا مشتركًا يهيئ لمستوى كبير من التعاون والتنسيق بين هذه الجماعات والفصائل، خاصة أن هنالك عوامل أخرى تعمِّقُ ما يمليه هذا الاتفاق في هذه الأصول من معاني الوحدة والسعي إليها.

ومن هذه العوامل الرشد المتزايد والمتنامي للصحوة الإسلامية المباركة، فهذه الصحوة بفضل الله تتقدم الآن على اتجاهين مهمين، الاتجاه الأول هو الاتجاه الأفقي، ونعني به اتساع أفق هذه الصحوة الذي يظهر في ازدياد عدد الراجعين إلى الإسلام والالتزام به من جهة، واتساع المجالات التي بدأت تدخل في اهتمامات هذه الصحوة من جهة ثانية.

والاتجاه الثاني هو الاتجاه المركزي الداخلي، وهو ما يمكن أن نسميه بالصحوة داخل الصحوة، ومن أهم مميزات هذا الاتجاه الشعور المتنامي بضرورة تجاوز أخطاء مراحل الصحوة الأولى، ومن أهم هذه الأخطاء التعددية السلبية والخلافات السائدة بين العاملين للإسلام.

ومن العوامل المشجعة على الوحدة والدافعة إليها بقوة أيضًا الشعور المتنامي والقوي بين المسلمين بشدة وشراسة هجمة العدو واستهدافه لكل ما هو عمل إسلامي وكل من هو عامل للإسلام دون تمييزٍ أو تفصيل، فأمم الكفر وطواغيت الحكام والحركات الهدامة قد تكالبت علينا من كل حدبٍ وصوب، وهي تعمل على تحطيم عقائد المسلمين وإفساد أخلاقهم وهتك أعراضهم واحتلال بلادهم وتدنيس مقدساتهم واحتلالها، ونهب ثرواتهم واستلابها، بعد أن غابت الدولة الإسلامية وغاب الحكم بشرع الله تبارك وتعالى، فحورب المسلمون في عقر دارهم، فالشعور بهذه الحقائق مع العلم بمستوى الجهد المطلوب لسد الثغرات وهو جهد لا يمكن أن يقوم به فرد أو جماعة واحدة، كل هذه الأمور تصب في النهاية في اتجاه العمل على توحيد الجهود وتنسيق العمل بين العاملين للإسلام خصوصًا والمسلمين عمومًا.

إن الوضع الذي يعيشه المسلمون اليوم يقتضي استنفار كل من له انتساب إلى هذا الدين، وتوظيف طاقاته وجهوده في المعركة التي يخوضها الإسلام ضد التحالف الصليبي الصهيوني الذي كشّرَ عن أنيابه، وكشف عن أهدافه الحقيقية في محاربة الإسلام والمسلمين، ولم يعد مكتفيًا بما يقوم به وكلاؤه في المنطقة من طواغيت الحكام ونحوهم، ولم يعد مقتصرًا في حربه تلك على أطراف العالم الإسلامي البعيدة، بل أصبح يخوض المعركة بنفسه، وفي قلب العالم الإسلامي وعلى أرض أقدس مقدساته في الجزيرة العربية وفلسطين وغيرها، ففي مثل هذه الحال يتجاوز الخطاب بالوحدة والتنسيق الجماعات والأفراد الذين يتحدون في الأصول السابقة، إلى غيرهم من عوام المسلمين الصالحين ومن دونهم من الفسّاق والعصاة وحتى بعض المبتدعة ونحوهم ممن لا يمكن القيام بدفع العدو الأكبر والضرر الأخطر إلا بالتعاون معهم.

وهذا بابٌ مهمٌ من فقه المصالح والمفاسد لا يجوز أن يغيب عنّا في مثل هذه الظروف، فقد كان لغيابه عن بعض العاملين للإسلام نتائجُ خطيرةٌ، وسلبيات كثيرة ساهمت في تضارب المصالح والأولويات على الساحة الإسلامية.

يقول ابن تيمية رحمه الله إعمالًا لهذا الفقه: (فإذا تعذر إقامة الواجب من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرٌ من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل، وكثيرٌ من أجوبة الإمام أحمد وغيره خرج على سؤال سائلٍ قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطابًا لمعينٍ قد عُلِمَ حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يثبت حكمها في نظيرها) .

المَعْلَمُ الثاني: التعدد في تكاملٍ لا تعارض:

إن من المهم أن نعلم أن مختلف الجماعات الإسلامية قد وُلِدَتْ في ظروف خاصة تتميز وتختلف عن ظروف غيرها، وأن هذه الجماعات تواجهها مشاكل وعقبات مختلفة عن تلك التي تواجه نظيراتها في بلدانٍ أخرى، وبالتالي فإن أسلوبها وأولوياتها في العمل أمورٌ تتحدد تبعًا لذلك، وتقدير ذلك حق لهذه الجماعات فهي أدرى وأقدر على تصنيف الواقع المحيط بها وما يناسبه من تحركٍ وعمل، على أن تكون هنالك موازنة دقيقة لا تطغى بموجبها الاولويات الجزئية والمحلية لهذه الجماعات على المصالح والأولويات الكلية للأمة، فهذه الجماعات هي وسائل لتحقيق مصالح الأمة الكبرى وغاياتها العظمى، ولا يجوز أن تنسينا الأهداف المرحلية، والوسائل المؤقتة أن الهدف الأكبر في هذا الصدد هو إقامة دولة الإسلام الكبرى وخلافته العظمى التي تأخذ فيها وحدة المسلمين بعدها الحقيقي.

لكن قبل ذلك وفي سبيله يمكن القبول مؤقتًا بتعددية تكون منطلقة من وحدة الأصول السابقة، ومضبوطة بالضوابط الشرعية التي ذكرنا بعضها فيما سبق، بل قد تكون هذه التعددية لها جوانب نافعة، لأن فروض الكفاية ومصالح الأمة اليوم لا يمكن أن يقوم بها فرد أو جماعة من الجماعات مهما أوتيت من القدرات والطاقات بعد أن عبثت بهذه الفروض والمصالح عوامل عديدة منها عجز علماء الأمة، وجهل أبنائها، وتآمر حكامها، وتكالبُ أعدائها في الداخل والخارج.

وفي سبيل القيام بهذه الفروض، والنهوض بهذه المصالح لا بد من توزيع المهام والأدوار، وقيام كلٍ بدوره وفق مجاله وتخصصه ضمن الإطار العام لأهل السنة والجماعة، فكما أن كل جماعة لها عناصرُ توزعها على العمل حسب اختصاصها وكفاءتها، فإن هذه الجماعات المتعددة هي بالنسبة إلى الجماعة الكبرى - جماعة أهل السنة والجماعة - بمثابة تلك العناصر في جماعاتها الصغيرة.

إن الثغرات المطلوب سدها والفروض المتعين القيام بها عديدة وكبيرة تتطلب جهد الجميع وطاقات الكل، فلنحسن توظيف ما لدينا من طاقات وجهود وتوزيعها على تلك الثغرات والفروض، فلدينا جماعات ذاتُ باعٍ وتاريخ حسن في نشر العقيدة الصحيحة ومحاربة البدع بين المسلمين، فلتقف هذه الجماعات على هذا الثغر الذي لا تخفى أهميته وأولويته.

ولدينا جماعات ذات تجربة وكفاءة في المجال الدعوي وانتشال العصاة من أوكار المعاصي إلى رحاب الطاعة والهداية فلتواصل عملها وبذل جهودها في هذا المجال.

ولدينا جماعات أخرى برعت في الرد على الأفكار الهدامة وفضح مخططات وأساليب الأعداء وتقديم الإسلام في صورته الشاملة الكاملة التي تضمن سعادة الدنيا والآخرة، فلتلتزم هذه الجماعات بما التزمت به في هذا المجال.

ولدينا جماعاتٌ أخرى لها القدرة على العمل السياسي والتخطيط وبث الوعي الحركي بين المسلمين، وهذا مجالٌ مهم إذا ما ضُبِط بالضوابط الشرعية، وتُجُنِبَت المفاسد المترتبة عليه، فلْتُواصل هذه الجماعات وقوفها على هذه الثغرة.

ولدينا جماعات أخرى تمارس الاعداد وتدعو إلى الجهاد لتحرير أراضي المسلمين واسترجاع مقدساتهم وإقامة شرع الله تبارك وتعالى، فلتقم هذه الجماعات بهذا الفرض العظيم ولتستنفر له الأمة، فإن الأمة لم يتجرأ عليها أعداؤها هذه الجرأة إلا بعد أن تركت الجهاد في سبيل الله.

وهنالك طوائف تملك المال، وثانية تملك الرجال، وأخرى لها سبقٌ في المجال العلمي، وأخرى تجمع بين أكثر من مجال.

والساحة الإسلامية بحاجة إلى كل هؤلاء، فليقف كلٌ على مجاله الذي يحسنه، وميدانه الذي يتقن العمل فيه في تناصحٍ مستمر واستعدادٍ دائم لتجاوز الأخطاء وفرحٍ بكل نقدٍ بنّاء يعمل على حفظ المسيرة الكبرى من الخلل والانحراف بعيدًا عن التشهير والاتهام والنقد الهدام، وتصيد الأخطاء، والطعن واللعن، والتشنيع والتبديع.

وتوزيع الاختصاصات هذا ليس جديدًا على ساحة العمل للإسلام، فقد كان السلف رضوان الله عليهم يقوم كلٌ منهم بما يحسن ويتقن، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا كذلك، فمنهم من كان عطاؤه في نشر العلم بالكتاب والسنة كابن عباسٍ، ومنهم من كان عطاؤه في المجال الجهادي كخالد بن الوليد وغيره، ومنهم من كان يجمع بين أكثر من مجال كالخلفاء الأربعة - رضي الله عن الجميع - وكذلك كان من بعدهم من السلف والخلف كلٌ ينوب عن الأنبياء فيما يتقنه، كما قال ابن تيمية رحمه الله: ( ... كلٌ منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العلم والمقال، وهذا في العبادة والحال وهذا في الأمرين جميعًا) .

ويقول عنهم في موضعٍ آخر: (فيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى ... وفيهم الأبدال الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم) .

وقد كان كلُ منهم يلزم الباب الذي فتح الله له فيه من أبواب الخير، دون أن يذم من ألزموا أبوابًا أخرى فتح الله لهم فيها، فهذا الإمام مالك رحمه الله لمّا بعث إليه عبدالله العمري العابد يحضه على الانفراد والعزلة والعمل، كتب إليه مالكٌ رحمه الله: (إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فُتِحَ له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فُتِحَ له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أنواع البر، وقد رضيت بما فُتِحَ لي فيه وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر) .

لكن مما يجب أن يراعى في هذا المقام أن يكون هذا التوزع على المهام توزعًا عادلًا ومتناسبًا مع أهمية المجالات العمل، في فرغ للجهاد - مثلًا - من الطاقات ما يتناسب مع أهميته والحاجة إليه، ويعطى للمجالات الأخرى بحسبها، فليس من التوزع العادل انشغال عشرات الآلاف من طلاب العلم بالطلب في بلد محتل من القوات الصليبية، في الوقت الذي لا يكاد يوجد طالب علم واحد من هؤلاء يُفقه المجاهدين في دينهم، ويحرض الأمة على الجهاد.

المَعْلَمُ الثالث: ضبط الخلاف بمنهج السلف:

لقد سبق معنا بيان أن الخلاف في المسائل الاجتهادية ونحوها أمرٌ لا بد منه، وسبق معنا أن هذا الخلاف لا يجوز أن يؤدي إلى تفرق الجماعة وتنافر القلوب، وسبق معنا كذلك بيانُ ما كان عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - عندما يحصل بينهم نزاعٌ أو خلاف من الحرص على الألفة والعصمة وأخوة الدين، فقد كانوا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا ما أنزل الله تعالى في قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ، وكانوا يتناظرون في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الأُلفة والعصمة وأخوة الدين) .

وما كان أحدٌ منهم يحكم على مخالفة بكفرٍ ولا فسقٍ ولا معصية، بل ولا ينكرون على بعضهم في المسائل الاجتهادية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن حالهم: (وما زال كثيرٌ من السلف يتنازعون في هذه المسائل ولم يشهد أحدٌ منهم على أحدٍ لا بكفرٍ ولا فسقٍ ولا معصيةٍ) .

وما نريد أن نؤكده هنا - بالإضافة إلى ما سبق ذكره - هو ما يلي:

1)أن الحَكَمَ عند التنازع والخلاف هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفق فهم السلف الصالح وإجماع الأمة، وكل ما سوى ذلك فمنه مقبولٌ ومردود، فنحن مطالبون عند التنازع والخلاف بالتحاكم إلى الكتاب والسنة، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا} ويقول: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} . ومع ذلك فإنه ستبقى خلافاتٌ مستقرة لا تُحسَمُ، إما لأنها لم يرد بشأنها دليلٌ خاص يرفع النزاع، أو ورد دليل واختلفت فيه الأفهام، أو لأنها تعارضت فيها الأدلة أو غاب بعضها عن بعضِ الأطراف واطلع عليه بعضٌ آخر، أو غير ذلك من أسباب الخلاف.

وكثيرٌ من قضايا العمل الإسلامي المعاصر هي من هذا الباب الذي لا يضر الخلاف فيه، بل ينبغي فيه التغافر والتسامح مع النصح المستمر والاستعداد لقبول الرأي الراجح، وتجاوز الأخطاء والسلبيات.

2)ضرورة التفريق بين الثوابت والقطعيات التي هي محل إجماع، والمسائل الاجتهادية التي هي محل نزاع، فالأولى لا يُقْبَلُ فيه الخلاف ولا يسوغ، والثانية تُقبَلُ فيها الاجتهادات وتعدد وجهات النظر، ولا يمكن إلزام المخالف فيها برأي لم يتبين له رجحانه.

يقول ابن تيمية رحمه الله عن الأمور التي هي من موارد الاجتهاد التي تنازع فيها أهل العلم والإيمان: (فهذه الأمور قد تكون قطعية عند بعض من بين الله له الحق فيها، لكنه لا يمكنه أن يلزم الناس بما بان له ولم يبن لهم ... وقد تكون اجتهادية عنده أيضًا، فهذه تسلم لكل مجتهد ومن قلده ... بحيث لا ينكر ذلك عليهم) .

لكن ينبغي أن نُذَكِرَ هنا بأن المجتهد في مثل هذه المسائل لا بد أن يكون أهلًا للنظر في الموضوع محل الخلاف، وإلا فهو آثمٌ ولو أصاب الحق.

3)أنه لا بد من إحياء روح النقد البنّاء والاستعداد لقبول هذا النقد في جوٍ من رحابة الصدر، وأدب الخلاف، وروح العدل والإنصاف.

ونحن إذا كنّا قد ركزنا فيما سبق على إبراز أخطاء المنتقدين، فإننا لا نعفي بذلك العاملين للإسلام من المسؤولية، فهنالك جوانب نقصٍ وأخطاءٌ كثيرةٌ عند كثير من الحركات والجماعات الإسلامية، يجب على هذه الحركات أن تتحلى برحابة الصدر لقبول النقد البنّاءِ بشأنها، مع الاستعداد لتجاوزها، فذلك مقتضى الصراحة مع الذات من جهة، وحقٌ لأبناء هذه الحركات وغيرهم من المسلمين من جهة أخرى.

إن من حق هؤلاء على هذه الحركات والجماعات أن يسألوها ماذا أنجزت خلال عشرات السنين؟ وماذا قدمت للإسلام والمسلمين ظ وكم خطوة قطعت في سبيل إخراج الأمة من وضعها الراهن وتحرير مقدساتها ومدافعة أعدائها؟ وماذا بذلت في سبيل وحدة المسلمين والعاملين للإسلام؟ وكم من التضحيات قدمت في سبيل ذلك؟.

ولاشكَ أن الإجابات ستضم ذكر إنجازات في مجالات عديدة، ولكن هل كانت تلك الإنجازات هي كل الممكن والمقدور عليه؟ أم كان من الممكن مضاعفة تلك الإنجازات لو تُجُنِبَت كثيرٌ من الأخطاء التي ما زالت تتكرر مرة بعد أخرى؟.

هذه التساؤلات وغيرها مشروعة بلا شك، ولن تستطيع الحركات الإسلامية الإجابة عليها بشكلٍ مرضٍ إلا من خلال الالتزام بما سبق ذكره، والعمل على توحيد جهود الأمة.

تلك كانت بعضُ أبرز الملامح والصفات التي نراها تشكل المعالم الأساسية لإطار التنسيق والتعاون بين العاملين للإسلام من أهل السنة والجماعة.

وهذا التنسيق والتعاون والاجتماع الذي نسعى إليه، وإن كان هدفًا مرحليًا ومطلبًا مهمًا، فإنه لا يجوز أن ينسينا الهدف الأكبر في هذا المجال وهو وحدة المسلمين جميعًا وقيام دولة الإسلام الكبرى، تحت راية التوحيد وحكم شريعة القرآن، فالسعي لهذا الهدف فرض دل عليه الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة.

إن الحد السابق من التنسيق والتعاون والاجتماع، لا يسد إلا جزءًا محدودًا من الفراغ الكبير الناتج عن غياب دولة الإسلام وخلافته، فيجب ألا نقف عند هذا الحد، وان نستمر في العمل علي رفع مستوى التنسيق والتعاون وتفعيله وتوسيع دائرته وتعميق جذوره مع مراعاة الضوابط الشرعية اللازمة، حتى نسد أكبر قدر من ذلك الفراغ، وحتى نبعثَ بذلك أمل الوحدة والاجتماع في نفوسِ الأمة، بعد أن كاد يتوارى وراء سُحبِ الخلافات والفُرقةِ المخيمة عليها، ونمهد لتحققِ البشارات والوعود النبوية لنا بعودة الخلافة الإسلامية الراشدة، وما يصاحبُها من عزٍ وتمكينٍ ونصرٍ للمسلمين على أعدائهم، وفي مقدمتهم اليهود.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مُبشرًا بالخلافة الراشدة التي ستحكم هذه الأمة بعد المُلْك الجَبري العضود الذي حكمها فتراتٍ طويلةً من عمرها: (إنَّ أولَ دينكم نبوةٌ ورحمةٌ، تكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جلَّ جلالهُ، ثم يكون مُلْكًا عضًا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله جلَّ جلالهُ، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ النبوةِ، تعملُ في الناس بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويُلقي الإسلامُ بجرانه في الأرض، يرضى عنها ساكنُ السماء وساكنُ الأرض، لا تدعُ السماءُ من قطرٍ إلا صبته مدرارًا، ولا تدعُ الأرضُ من نباتها وبركاتها شيئًا إلا أخرجته) .

ويقول صلى الله عليه وسلم مُبشرًا بالمعركة الفاصلة بين المسلمين واليهود: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم، يا عبدالله هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) .

وفوقَ هذه الوعود الغيبية الصادقة، والمُبِشرات النبوية المحقَقة، هنالك مُبشِراتٌ واقعيةٌ كثيرة تبعث الأمل، وتدفع إلى العمل.

ومن أبرز هذه المُبشِرات هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي تعمُ أرجاء الأرض وقاراتها، هذه الصحوة التي أدرك الأعداءُ أنها الخطر الحقيقيُ عليهم، فركزوا جهودهم على محاربتها.

يقول بن غوريون: (نحن لا نخشى الاشتراكيات، ولا القوميات، ولا الملكيات في المنطقة .. إنّما نخشى الإسلام .. هذا المارد الذي نامَ طويلًا وبدأ يتململُ في المنطقة .. إني أخشى أن يظهر محمدٌ جديدٌ في المنطقة) .

هذه الصحوة تمتلك قدرة هائلة على التغيير، بما لديها من طاقاتٍ وقُدراتٍ عظيمة، لكن تنقصها القيادة الفاعلة التي تنظم تلك الجهود والطاقات وتسير بها في الطريق الصحيح.

يقول المستشرق جب في كتابه"وجهة الإسلام": (إن الحركات الإسلامية تتطور عادة بسرعة مذهلة مدهشة، فهي تنفجر إنفجارًا مفاجئًا قبل أن يتبين المراقبون من أماراتها ما يدعوهم إلى الاسترابة في أمرها، فالحركات الإسلامية لا ينقصها إلا الزعامة وظهور صلاح الدين) .

لكن قبل تحقق تلك الوعود والبشارات، وقبل أن تبلغ الصحوة الإسلامية مداها المطلوب، يجب أن ندرك أنه لابد من تقديم تضحيات كبيرة، وبذل جهود عظيمة، وهذه التضحيات والجهود مطلوبة منّا اليومَ أكثرَ من أي وقتٍ مضى، فإذا نحن لم نقدم تلك التضحيات، ونبذل تلك الجهود، متنازلين عن حظوظ أنفسنا ومصالحنا الشخصية، في سبيل مصلحة الاجتماع والائتلاف، في هذا الوقت الذي أصاب الأمة فيه ما أصابها من الذل والمهانة، وتعرضت لما تعرضت له من انتهاك العرض، واحتلال الأرض، وتدنيس المقدسات، ونهب وسلب الخيرات والثروات، فمتى يكون منا ذلك؟

ومما يدخل في هذا المضمار العمل على إيجاد إطار أو كيانٍ إسلاميٍ عالميٍ دائم - هيئة أو مؤتمر - تُمَثَلُ فيه الأمة من خلال العلماء والدعاة والمفكرين والعاملين للإسلام الذين عُرفوا بالصدق والإخلاص والاهتمام بأمور دينهم وأمتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت