(ها) كذلك لا قيمة للرأي الذي مضاده أن هذا مما تصرف النبى تصرفا وافق فيه عادة العرب ضد نقض العهود، وذلك لأن هذا العمل ليس عن جملة السلطات المخولة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه، بالنسبة للقرآن. ليس له إلا الدعوة و البلاغة، والتطبيق والتنفيذ
فإنما عليك البلاغ) (أن عليك إلا البلاغ) (آن اتبع إلا ما يوحى إلى) (واتبع ما يوحى إليك من ربك) (اتل ما أوحي إليك من ربك لا مبدل لكلماته) .
القول الحق وإذ قد نفينا ان يكون ترك البسملة أول التوبة تصرفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعملا للصحابة، كان لنا أن نثبت القول الحق الذي لا مرية فيه، والراي الصحيح الذي لا يقبل الجدال وهو: إنه عليه الصلاة والسلام أمر بوضع سورة التوبة بعد سورة الأنفال، وأنه صلى الله عليه وسلم أمر بحذف بسم الله الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحبا، وذلك لأن جبريل عليه السلام لم ينزل بالتسمية بين هاتين السورتين كما نزل بها بين كل سورة وسابقتها، ولم تكن كتابتها بين السورتين أو تركها إلا بتوقيف ووحي، وقد عرف مع ترك التسمية بينهما أنهما سورتان مستقلتان من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وقد جاءنا كذلك في المصاحف الأولى: مصحف عثمان و على وابن عباس، فلا مني بعد هذا كله لإثارة أراء قد تمس من فرب أو من بعد قداسة تنظيم كتاب الله وترتيبه بناء على روابات ضعيفة أو موضوعة
ثم إنه بعد تسليمنا وإيماننا أنه لا مدخل لرأي أحد في الإثبات أو الترك وأن المتبع في ذلك هو الوحي والتوقيف، وأن التوبة وضعت بعد الأنفال وحبا، وأن التسمية تركت في أول التوبة وحيا كذلك، لا مانع بعد ذلك الإيمان من أن نبحث عن علة، ولا حرج بعد هذا الاعتقاد من أن تفتش عن حكمة اقتضت ترك التسمية في هذه السورة دون سواها: ولعل أقرب حكمة الترك التسمية في أولها وأولاها بالقبول هي ما قاله على لابن عباس رضي الله عنهم حينما سأله عن عدم كتابتها: إن التسمية أمان ورحمة، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود وليس فيها أمان، ولا يرد على هذه الحكمة أن سورة المطففين والهمزة والمسيد نزلت التسمية في أولها، ولا تناسب بين الوبل و الهلاك وبين الرحمة والأمان .. لأن المقصود من سورة التوبة رفع الأمان الدنيوى عن جماعة المشركين وتسليط المؤمنين عليهم بالقتال، ولا كذلك تلك السور وقد بجاب عنه: بان هذه السورة لا نشبهها سورة، فإنها ما تركت أحدا، كما قال حذيفة. إلا نالت منه وهضمته وبالغت في شأنه، أما المنافقون والكافرين فظاهر، وأما المؤمنون ففي قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا أباكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان .. إلى الفاسقين) وهو من أشد ما يخاطب به المخالف فكيف بالموافق؟ وليس في سورة الهمزة ولا في سورة المطففين ولا في سورة المسد ما يشبه سورة التوبة أو بقاربها في هذا المضمار، ولو سلم اشتمال سورة على نوع ما اشتملت عليه، لكن الامتياز بالكمية والكيفية مما لاسبيل إلى إنكاره. ولذلك تركت فيها البسملة.
ونحن نؤمن بعد دراسة كتاب الله أنه في تفصيل سوره وآياته وترتيبه سوره وآياته، لم يكن