(وأما العادات) هذا الأصل الثاني (كلها) دون استثناء (كالمآكل، والمشارب، والملابس، والأعمال العادية، والمعاملات، والصنائع فالأصل فيها الإباحة والإطلاق) ، (فالأصل فيها الإباحة) يعني: مباحة. والإطلاق يعني: لا تُقَيَّد، بمعنى أننا لا نقول: الأصل في المآكل الطيبة الإباحة فلا نقيدها بشرط أو وصف نزيد عليها، وإنما نطلقها كما أطلقها الله عز وجل بمعنى أن تقييد ما أطلقه الله عز وجل دون دليل هذا يصيره بدعة إضافية، تقييد ما أطلقه الله عز وجل دون دليل من كتاب أو سنة نقول: هذا يصيرها بدعة، لماذا؟ لأنه زاد وصفًا على المشروع فدخل في النوع الثاني. قال: (فالأصل فيها) . أي: في العادات. (الإباحة) يعني: الحل. (والإطلاق) يعني: بلا قيد فهي عامة مباحة، (فمن حرم شيئًا منها لم يحرمه الله ولا رسوله، فهو مبتدع) . وقد قال على الله تعالى بلا علم فهو مبتدع (كما حرم المشركون بعض الأنعام التي أباحها الله ورسوله، وكمن يريد بجهله أن يحرم بعض أنواع اللباس، أو الصنائع، أو المخترعات الحادثة بغير دليل شرعي يحرمها، والمحرَّم من هذه الأمور الأشياء الخبيثة أو الضارة وقد فُصِّلَتْ) الأشياء الخبيثة، الخبيث قد يكون حسًا وقد يكون معنًى (أو الضارة وقد فُصِّلَتْ) يعني: هذه الخبائث. ... (في الكتاب والسنّة، كما قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] ) كله مفصل ولذلك المحرمات تُعَدُّ، وما عداها فالأصل فيه الإباحة، المحرمات تعد وما عداها فيقال فيه الأصل الإباحة، والنجاسات تعد النجاسة حكم شرعي فلا يحكم على الشيء بأنه نجس إلا بدليل واضح بَيِّن صريح، بمعنى أننا لا نحكم على الشيء بأنه نجاسة لمجرد العقل والهوى، لأن النجاسة حكم شرعي، والطهارة حكم شرعي لكنهما حكمان وضعيان، والحكم الوضعي حكم شرعي ولا شك، حينئذٍ لا نقول بأن الشيء نجس إلا بدليل، ثم هذه النجاسات كذلك مفصلة في الكتاب والسنة فهي معدودة فتعد وتحصى، وما عداها فيقال فيه بأنه على الأصل وهو الطهارة، (ومن تتبع المحرمات وجدها تشتمل على المفاسد المتنوعة) وعندكم زيادة ... ( [تشتمل على الخبث والمضار القلبية، أو البدنية، أو الدنيوية لا تخرج عن ذلك، ولهذا من أكبر نعمة الله علينا تحريمه ومنعه لنا مما يضرنا، كما أن من نِعَمه إباحته لنا ما ينفعنا] ) قال رحمه الله تعالى: (وهذان الأصلان نفعهما كبير) . نعم (نفعهما كبير) بمعنى أنه يدخل تحتهما ما لا حصر من المسائل، وتَرُدّ بهما ما لا حصر من الافتراءات، لأنه قال بأن هذا عبادة ائت بالدليل الكتاب والسنة، إذا لم يكن عندهما دليل حينئذٍ رُدَّ عليه قوله، فكل البدع تُرَدُّ بهذا الأصل فيقال: الأصل في العبادات التوقيف، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: لا يُشْرَعُ منها إلا ما شرعه الله تعالى ورسوله. ومن هنا ننبه أن قول الأصوليين: أن المباح قد يَنْقَلِبُ مستحبًا. ليس المراد به بأن النوم يصير عبادةً، وإلا خالفنا هذا الأصل، أليس كذلك؟ عند الأصوليين يقررون مسألة في المباحات، أنه إذا نوى به الطاعة أن يتقوى بالأكل على الطاعة، أن يتقوى بالنوم على الطاعة، أن يتقوى بالنكاح على الطاعة ...