إلى آخره، قالوا: هذه تصير عبادات، ليس المراد أن النوم صار عبادة، فنحتاج إلى دليل إذا قلت بأن النوم عبادة معناه إما واجب أو مستحب فنحتاج إلى دليل، وإذا قلت بأن الأكل عبادة في نفسه حينئذٍ نحتاج إلى دليل لأن الأصل في العبادات التوقيف، وإنما نقول: يثاب على نيته، نية المستحب أو الواجب، أو ما يترتب على المستحب أو الواجب، أما المباح نفسه فلا ينقلب إلى عبادة البتة، وإلا ما الفائدة من هذه القاعدة؟
كيف.
أي نعم الثواب ليس من لوازم العبادة قد يثاب على بعض الأشياء التي تتعلق بالمعاملات ولو لم يكن عبادة، وإنما الكلام فيما إذا كان معتقدًا أنه قربى إلى الله تعالى إما على جهة الإيجاب وإما على جهة الاستحباب، وهذان الأصلان نفعهما كبير، وبهما تعرف البدع من العبادات والبدع من العادات، وهذه مسألة التالية هل العادات توصف بكونها بدعًا أو لا؟ مسألة فيها خلاف، والصحيح ما ذكره المصنف هنا رحمه الله تعالى.
(فمن لزمهما فقد استقام على السبيل، ومن ادَّعَى خلاف أصل منهما فعليه الدليل) .
رحمه الله تعالى، والبدعة قال ابن رجب رحمه الله تعالى:"المراد بالبدعة ما أُحْدِثَ مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه". بدعة، ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعةً لغةً. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:"البدعة في الدين هي ما لم يَشْرَعْهُ الله ورسوله". وأما التعريف المشهور عند الشاطبي رحمه الله تعالى:"طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه". قال رحمه الله تعالى: إذًا حاصل هذه القاعدة أن نقول: الأصل في العبادات الحظر التحريم والتوقف، والأصل في ما عدا العبادات لتعم المعاملات والعادات الأصل فيها الإباحة، فلا يشرع من جهة التعبد إلا بدليل ولا يُثبت عكس الإباحة إلا بدليل. فالحاصل نقول هنا: الأعمال قسمان: عبادات، ومعاملات.
والعبادات إما أعمال قلبية وأمور اعتقاديه، وإما أعمال جوارح من قول أو فعل، فسواء كانت العبادة ظاهرةً أم باطنةً، فالأصل فيها البطلان أو الحظر حتى يقوم دليل على الأمر.
وأما المعاملات فالأصل فيها الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شَرَعْهُ الله [ورسوله] . هو قال: الله. فقط، لكن كذلك يوصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه مشرعًا، يعني: تابعًا لأمر الله تعالى، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم، والفرق بينهما، لماذا قلنا: الأصل فيه الصحة وهذا بطلان؟
الفرق بينهما أن الله سبحانه لا يُعْبَدُ إلا بما شَرَعْهُ على ألسنة رسله وحملة شرعه. إذًا لا بد من حصر.