التكليف شرط لوجوب العبادات، أراد أن يعرف التكلِيف، التكليف مصدر كَلَّفَ يُكَلِّفُ تَكْلِيفًا، التكليف في اللغة إلزام ما فيه مشقة، أو طلب ما فيه مشقة، أو الأمر بما فيه مشقة. هذا أو ذلك، طلب ما فيه مشقة، أو إلزام ما فيه مشقة، أو الأمر بما يشق. وأما التكليف في الاصطلاح عند الأصوليين فهو إلزام مقتضى خطاب الشرع. عندنا خطاب الشرع وعندنا مقتضاه، إيجاب قلنا: هذا خطاب الشرع، مقتضاه الوجوب، يعني: ما دلّ عليه خطاب الشرع، فعندنا دال وعندنا مدلول، الدال هو الخطاب، والمدلول هو المقتضى، إلزام مقتضى خطاب الشرع، خطاب الشرع إما إيجاب وإما ندب وإما تحريم وإما كراهة وإما إباحة، حينئذٍ دخلت الأحكام الخمسة الشرعية التكليفية داخلة في هذا، فحينئذٍ عمَّ خطاب الشرع دائر بين الأمر والنهي أو التخيير الذي هو الإباحة، فدخلت الأحكام الخمسة. التكليف قال المصنف: (وهو البلوغ والعقل) . أراد أن يعرفه، لكن هذا ليس بتعريف يسمى رسمًا عندهم، لأنه ليس بذكر الجنس والحدّ ونحوه، إنما الحدّ السابق هو الحدّ، وهذا يسمى رسمًا، يعني: بذكر علامته أو شرطه أو لازمه، فحينئذٍ يقال: التكليف هو البلوغ والعقل. وهذا تعريف باللازم أو بالرسم ونحوه، البلوغ علامة على العقل ليس مقصودًا لذاته هنا، علامة على العقل، والأصل في شرط المكلف العقل وفهم الخطاب، هذا الأصل العقل وفهم الخطاب، العقل خرج به المجنون، وفهم الخطاب خرج به من لا يفهم، أو إن شئت قل: ما لا يفهم. فيعمّ المجنون ويقصد به في هذا الموضع الصبي الذي لا يميز، أو الصبي مطلقًا سواء كان مُمَيِّزًا أم لا، شرط المكلف العقل وفهم الخطاب، وجعل الشارع البلوغ علامة على ظهور العقل، فلا تكليف على صبي مطلقًا سواء كان الصبي مميزًا أم غير مميز، وكذلك لا تكليف على مجنون لماذا؟ لأن العقل شرط لصحة التكليف، فلما انتفى الشرط انتفى ما رُتِّبَ عليه، وفهم الخطاب شرط للتكليف، فإذا انتفى انْتَفَى ما رُتِّبَ عليه، فالصبي غير مكلف، والعقل يراد به كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى يراد به الغريزة التي يُعْلَمُ بها، ويراد به أنواع من العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم، والفهم هو إدراك معنى الكلام، أو العلم بمعاني الكلام، والخطاب معلوم أنه توجيه الكلام للغير للإفهام، فهذان شرطان في المحكوم عليه وهو الآدمي الذي يصح أن يُعَبَّر عنه بأنه مكلَّف، ويشترط فيه العقل وفهم الخطاب، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له محال، وخطاب من لا يفهم محال، الخطاب يعني: يخاطب الغير يتكلم مع الغير، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70] خطاب لمن؟ لك ولزيد وعمرو .. إلى آخره، هل المجنون يخاطب؟ إذا امتنع في حقك أنت أيها المكلف أو البشر أن تخاطب مجنونًا وقد توصف بالجنون لأنك تخاطب مجنونًا، فالله عز وجل من باب أولى وأحرى. الصبي لا تخاطبه خطابًا على أنه يمتثل ما تذكره له، كذلك الله عز وجل.
إذًا خطاب من لا عقل له محال، وخطاب من لا فهم له محال.