ثم العبادات كلها مبنية على المقاصد، يعني: النية شرط في صحتها، فإذا كان كذلك فالمجنون لا نية له، والصبي كذلك في الجملة لا نية له. حينئذٍ انتفى التعبد منهما، فجعل الشارع البلوغ علامةً لظهور العقل لأنه أمرٌ خفي يعني: لا يدرك بكون الإنسان قد بلغ العقل الذي يصح التكليف به، فحينئذٍ جعل الشارع البلوغ وجعل له علامةً أو علامات ظاهرة يتبين بها كونه بالغًا أو لا، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يكبر» . وفي روايةٍ «حتى يحتلم» ، وفي رواية «حتى يبلغ» ، «وعن المجنون حتى يعقل» فدل هذا النص على أن المجنون غير مكلَّف، ودل هذا النص على أن الصبي دون الاحتلام غير مكلَّف، لأنه قال: «حتى يكبر» . وهذه فيها إبهام، لكن في الرواية الأخرى قال: «حتى يحتلم» . فدل على أن ما بعد حتى هو غايةً لما قبلها، فحينئذٍ لا يوصف بكونه مكلفًا قبل الاحتلام فيرتفع عنه بل لا يوصف أنه مكلَّف، وأما الصبي الْمُمَيِّز فالجمهور على أنه ليس بمكلَّف، لأن الصبي نوعان:
صبيٌ مميز، وصبيٌ غير مميز.
الصبي الْمُمَيِّز عند الجمهور غير مكلَّف.
الصبي غير الْمُمَيِّز بالإجماع، معي أو لا؟ الصبي غير الْمُمَيِّز وهو من دون السبع هذا بالإجماع غير مكلَّف، ولا تصح منه العبادات فهو الذي عناه هو التمييز شرطٌ لصحته هذه المقدمة ما خرجنا، (والتمييز شرط لصحتها) التمييز الذي جعل فاصلًا بين نوعي الصبيان، صبيٌ مميز، وصبي غير مميز، واختلفوا في تحديد النوعين متى نقول: هذا مميز وهذا غير مميز؟ قيل: بالسن، وقيل: بالوصف. بالسن قيل: على المشهور سبعٌ، يعني: تمام السبع، فإذا تَمَّ عنده تمام السبع بأن انتهى منها فدخل في الثامنة فهو مميِّز، فإن صلى صحت صلاته، وإن صام صح صومه، وإن حج أو اعتمر هذا لا فرق بين المميز وغيره فهو صحيحٌ منهما، فحينئذٍ إذا تمت عندهم السابعة قيل: بأنه مميز، وهذا القول أقرب إلى السنة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل هذا السن فارقًا بين الأمر بالصلاة وغيرها فقال: «مروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ» يعني تمام سبعٍ، فدل ذلك على أن من كان دون السبع لا يؤمر بالصلاة، ولا تصح منه الصلاة.
إذًا: الصحيح أنه يميز بين المميز وغيره، ويفرق بينهما بالسن، فمن كان دون سبعٍ - وهذا صبي غير مميز - لا يصح منه أي أنواع العبادات لو عملها إلا الحج والعمرة على ما استثناه المصنف، وأما المميز فهو الذي تصح منه العبادات لكنها لا تجب، بالإجماع غير المميز غير مكلف، المميز فيه خلاف، ثَمَّ رواية عن الإمام أحمد وغيره أنه مكلَّف قيل مطلقًا وقيل بالصلاة فقط، على كلٍّ فيه خلاف، لكن النص الذي ذكرناه سابقًا «عن الصبي حتى يحتلم» دلّ على أنه غير مكلف، «يرفع القلم عن ثلاث» يعني: قلم التكليف بمعنى أنه غير مكلَّف، فقال: «عن الصبي حتى يحتلم» . إذًا: دون الاحتلام القلم مرفوعٌ عنه، وهذا نصٌ واضح يدل على أن الصبي مطلقًا غير مكلف، وأما من قال بأن يُمَيَّز أو يُفَرَّق بين المميز وغيره بكونه يفهم الخطاب ويَرُدُّ الجواب، وأنه لا ينضبط بالسِّنّ هذا كذلك القول لا ينضبط القول هذا لا ينضبط.