يشترط في صحتها التكليف، ومرَّ أنه البلوغ والعقل (والرشد) ومراده بالرشد هنا سنٌّ وخبرةٌ معًا، لا بد من أمرين، حينئذٍ يُنْظَرُ فيه ما المراد بالرشد؟ المراد به كما قال المصنف: (حسن التصرف في المال) بأن يحسن كيف يتعامل مع المال، فإذا باع واشترى لا يُخْدَع ولا يُدَلَّس عليه، ولا يُغْبَن، حينئذٍ نقول: هذا لا يتأتى من الصبي وإنما يتأتى من شخصٍ بالغٍ يفهم كيف يتعامل مع الناس، ثم البالغ قد لا يكون رشيدًا قد يكون سفيهًا لا يحسن التصرف، فلذلك اشْتُرِطَ في صحة التصرفات أن يكون على علمٍ بكيفية تصرف المال، ويكون عنده خبرةٌ بالمواضع التي يُجْعَلُ فيها المال من غيرها، لئلا يُغْبَن، (ولصحة التبرع التكليف والرشد والملك) . صحة التبرع المراد به العقود التي لا معاوضة فيها كالهدية والوقف والصدقة ونحوها، يُشْتَرط لها ثلاثة شروط: التكليف، والرشد - والتكليف، والرشد مرَّا - والملك أن يكون مالكًا للتبرع، بمعنى أنه مأذونٌ له في التصرف، ليس مراد الملك أن يكون مالكًا نعم وهذا شرطٌ في الكل في الجميع، وإنما المراد به أن يكون له إذنٌ في التبرع، فولي اليتيم ليس له أن يتبرع، لماذا؟ لأنه ليس مأذونًا له لكن البالغ العاقل الرشيد والمال في يده فله أن يتبرع، يملك أمر نفسه وأما ولي اليتيم هذا ليس له أن يتبرع.
قال رحمه الله تعالى: (هذه القاعدة تشتمل على هذه الضوابط التي تنبني عليها العبادات وجوبًا وصحةً، وصحة التصرفات والتبرعات) تنبني عليها العبادات وجوبًا. يعني متى تجب العبادة؟ (وصحةً) متى تصح؟ فمتى تجب، أسائلكم متى تجب؟ متى تجب العبادة؟
تجب العبادة إذا تحقق شرط الوجوب وهو التكليف.
متى يكون مكلَّفًا؟ إذا كان بالغًا عاقلًا.
قال: (وصحةً) متى تصح العبادة؟
تصح العبادة إذا تحقق شرط الصحة وهو أن يكون مميزًا، الحج والعمرة هل يشترط لهما التمييز؟
الجواب لا، لا يُشترط لهما التمييز، لماذا؟
للنص، لوجود النص، وإلا الأصل عدمه.
طيب ما الذي يشترط لصحة التصرف؟
التكليف والرشد، لا بد أن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا. مفهوم كلامه أنه إذا كان صبيًا لا ينقض تصرفه، وهذا محل نظرٍ في مسألةٍ واحدة وهو في التبرعات، يعني: إذا أُهْدِيَ للصبي فالتصرفات هنا عامة تصرف. يعني: سواءٌ باع واشترى وهذا واضحٌ بين، إن كان في الأشياء الخسيسة فيها خلاف بين أهل العلم، لا بد بإذن من وليه، لكن في القبول هل له أن يقبل هدية؟ هل له أن يقبل وصيةً؟ هل له أن يوقف عليه شيء فيقبل؟ على هذا الكلام لا، لماذا؟
لأن شرط صحة التصرف التكليف، فالصبي لو أُهْدِيَ إليه وقَبِل لا يصح قبوله، هذا ينبني عليه، وهذا محل نظرٍ لأن هذا نفعٌ محض يتحقق للصبي فيستثنى، أو تستثنى هذه المسألة، فما كان نفعه محضًا فحينئذٍ نقول: يستثنى من هذا الأصل، وأما ما كان ضرره محضًا أو كان مترددًا بين النفع والضُّرّ فهذا كذلك، لا بد من أن يتحقق هذا الشرط وهو التكليف والرشد، المتردد بين النوعين بين الضرر المحض والنفع المحض البيع والشراء، فلا يبيع ولا يشتري إلا المكلَّف، إلا بإذن وليه أو بدون إذنٍ في الأشياء الخسيسة، يعني: التي لا يُلتفت إليها، وهذا محل التفصيل فيه الفقه.