الثاني: استحقاق الزكاة له، يستحق أو لا يستحق؟ نقول: نعم يستحق ولا يعد هذا غنى، ولو كانوا مالكين ولذلك جاء بقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79] . قال: {لِمَسَاكِينَ} . قال: {السَّفِينَةُ} لـ اللام هذه للملك، إذًا هم يملكون سفينة، سفِينة في ذاك الزمان ومع ذلك هم مساكين، إذًا امتلاك الشيء لا يلزم منه أن لا يكون فقيرًا، بعض الناس الآن إذا أراد أن يخرج زكاته إذا قيل: أعطي فلانًا. قال: عنده بيت ملك. لا يلزم أن يكون عنده بيت ملك ويكون غنيًا قد يكون فقيرًا وعنده سيارة وعنده جوال هذه كلها من الضروريات عند الناس الآن، فإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: لا يُدفع عنه الزكاة لكونه عنده شيءٌ من الحوائج الأصلية، ولذلك قال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} . فسماهم مساكين مع أنهم يملكون السفينة.
الثالث: الحج، فلا يلزم بيع حوائجه الأصلية لأجل الحج.
الرابع: النفقة على الأقرباء، فلا يلزمه بيعها لأجلهم.
إذًا الحوائج الأصلية للإنسان لا تُعَدُّ مالًا فاضلًا.
استدل بعضهم لإثبات هذه القاعدة وهي قاعدة صحيحة - أو الضابط هذا يعتبر - بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيح قال - صلى الله عليه وسلم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» . يعني: زكاة. لأنه من الحوائج الأصلية، اسْتُدِلَّ به على أن الحوائج الأصلية للإنسان لا يعد من المال الفاضل، بل من المال الأصلي لأنه يتضرر بالاستغناء عنه.
قال رحمه الله تعالى: (القاعدة الخمسون: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا) .
وهذه يعبر عنها بالتابع تابع، يعني: لا تجدها قد بهذا العنوان، وإنما عنون لها السيوطي في (( الأشباه والنظائر ) )التابع تابع، ويعبر عنها أيضًا كذلك بقولهم: [يغتفر بالشيء ما لا يغتفر، نعم] [1] يغتفر في الشيء ضمنًا ما لا يغتفر فيه قصدًا والمؤدى واحد. (يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا) يعني: يثبت الحكم في التابع تبعًا لحكم المتبوع، فحكم المتبوع يسنجب إلى التابع هذا متى؟ إذا كان تابعًا، وأما إذا استقل بنفسه حينئذٍ يثبت له حكمٌ آخر مخالفٌ للمتبوع، هذا المراد، التابع تَابع، (وذلك أن المسائل والصور التابعة لغيرها يشملها حكم متبوعها، فلا تفرد بحكم، فلو أفردت بحكم لثبت لها حكم آخر) ، ولذلك من أجل الإيضاح قبل أن يأتي الكلام الآتي نقول: مر معنا أن بيع الحمل لا يصح، أليس كذلك؟ لأنه غرر، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر، مجهول فلا بد أن يكون محل العقل معلومًا فإذا اشترى قال: أريد هذا الحمل. الذي في بطن الشاة، حينئذٍ وقع البيع على الحمل نقول: لا يجوز. لكن لو قال: أريد هذه الشاة وهي حامل. جاز؟
جائز، لماذا؟
(1) سبق.