قال المصنف: (الْمَرْتَبَةُ الْثَّانِيَةُ) (الإِيمَانُ) قلنا في اللغة هو التصديق، وهو مشتق من الأمن وهو من الأمور الباطنة الذي يؤتمن عليه ويكون خفية، والإسلام من التسليم أو المسالمة وهو من الأمور المحسوسة المدركة في الظاهر. قال المصنف: (وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً) ، (وَهُوَ) أي الإيمان ... (بِضْعٌ) بكسر الباء اسمٌ من أسماء العدد من ثلاثةٍ إلى تسعة (وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً) ، (شُعْبَةً) فُعْلَة، وهي الطائفة والخصلة ويدخل تحتها أفرادٌ من الخصال، وهنا أورد المصنف إحدى الروية (بِضْعٌ وَسَبْعُونَ) كما هي رواية البخاري «بِضْعٌ وَسَبْعُونَ» ، وعند مسلمٍ أنها «بضع وستون» ، وفي رواية عنده أيضًا على الشك «بضع وستون» أو قال: «بضع وسبعون» . قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (إن المعول على المتيقن وهو الأقل وهو بضع وستون) . (فَأَعْلاَهَا قَوْلُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) أي أعلى تلك الشعب، فهذه الشعب ليست على مرتبة واحدة حينئذٍ الإيمان له شعبٌ متعددة، من هذه الشعب الأجزاء ما يفوت الإيمان بفواتها، ومن هذه الشعب ما لا يفوت الإيمان بفواتها، ولذلك مثّل لك النبي - صلى الله عليه وسلم - بأعلاها وهو قول: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) ولا شك أن الإيمان يزول بزوال هذا القول وهو لا إله إلا الله، لأنها كلمة التوحيد (وَأَدْنَاهَا) أي أدنى هذه الشعب (إِمَاطَةُ الْأَذَى) أي إزالة الأذى، وهنا أذى بأل فيشمل الأذى القولي والأذى العملي (إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ) وهو عملٌ حينئذٍ يكون داخلًا في مسمى الإيمان، وكذلك زوال هذا لو لم يُذهب الأذى عن الطريق هل خرج عن الإيمان؟ الجواب لا إذًا زوال هذه الشعبة لا يؤدي إلى زوال الإيمان من أصله، (فَأَعْلاَهَا) أي تلك الشعب (قَوْلُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) ، (وَأَدْنَاهَا) أي أقلها (إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ) والأذى قلنا: (أل) هذه استغراقية. قول لا إله إلا الله هنا يُعبر فيما إذا قيل الإسلامُ مقابل للإيمان، حينئذٍ يختص الإيمان بالأمور الباطنة ويختص الإسلام بالأمور الظاهرة، لكن لا بد من تقييد، يعني لا يقال بأن ثَمَّ انفكاك بين الأمور الباطنة يعني الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة هل تنفك بمعنى أنه يوجد ظاهر ولا يوجد معه باطن؟ أو يوجد باطن ولا يوجد معه ظاهر؟ نقول: إذا قيل الإسلام يقابل الإيمان فحينئذٍ يختص الإسلام بالأمور الظاهرة بالأعمال الظاهرة، لكن يُشترط فيها ما يصححها من الإيمان، لأن الأعمال الظاهرة لا يمكن أن تصح بدون اعتقاد وحدانية الرب جل وعلا، لا يمكن أن تصح بدون الإخلاص لله عز وجل، وبدون وجود شروط لا إله إلا الله وهي عمل ظاهر قولي، حينئذٍ نقول: لا بد أن يكون ثَمَّ إيمانٌ قدرٌ مصحح للعمل الظاهر بأن يكون مسلمًا، كذلك الإيمان عملٌ باطن لكن لا بد له من عمل ظاهر يصححه ذلك الباطن، وهو ما اشترطنا من كون الصلاة لا بد من الإتيان بها لتصحح هذا العمل الباطن.