وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: من اتصف بهذه الآية فقد دخل في عُرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، {لَّيْسَ الْبِرَّ} بالنصب على أنه خبر ليس، أين اسمها؟ [ {أَن تُوَلُّواْ} ] ليس البر توليتكم وهناك قال: {وَلَيْسَ الْبِرُّ} [البقرة: 189] في آيةٍ أخرى ... {َلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} برُّ رفع، و {لَّيْسَ الْبِرَّ} يشكل بعض الطلاب لماذا نصب هنا ورفع هنا؟ نقول: [هنا اسم ليس مقدم، وهناك] ، هنا خبر ليس مقدم {لَّيْسَ الْبِرَّ} ، وهناك اسم ليس وهو مرفوع إذًا {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} يعني: ليس البر في التوجه إلى جهة المشرق والمغرب، هو من البر ولا شك، لكنه ليس البر كله في مسألةٍ جزئية وهي التوجه إلى بيت المقدس، وإنما البر الحقيقي الكامل هو الإتيان بأصول الشريعة، وهذا يدلك على مسألة نبهنا عليها فيما سبق أن العناية في التعلم والتعليم والدعوة إلى الله عز وجل إنما تكون بالأصول، وهنا الله عز وجل قال: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ} مع ذلك أن هذه التولية من البر لكنها ليست هي البر من حيث الأصل فنقول {لَّيْسَ الْبِرَّ} ليس البرَ كله أن تتوجهوا في صلاتكم إلى بيت المقدس، ولكن البر الحقيقي في الإيمان وما يتعلق به من أركان {وَلَكِنَّ الْبِرَّ} أي الحقيقي في الإيمان وما يتعلق به من أركان، وهذه ذكرها وهي خمسةٌ، ودليل القدر وأنه ركنٌ من أركان الإيمان وذكره المصنف بدليلٍ خاص لأنه لم يرد في الآية السابقة. (قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] ) ، ( {إِنَّا} ) تعظيم عظم الرب جل وعلا نفسه ( {كُلَّ شَيْءٍ} ) كل هذه من صيغ العموم ( {كُلَّ شَيْءٍ} ) يعني من المخلوقات علويةٍ أو سفلية ( {خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} ) أي بتقديرٍ سابقٍ لخلقنا له، وذلك بالعلم أولًا، ثم الكتابة، ثم المشيئة، ثم الخلق وهو يقع كما كتب في وقته بتقديره. وجاء في حديث مسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» . [هذا] هذه أو ذكر دليلين للأركان الستة على جهة الإجمال.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْمَرْتَبَةُ الْثَّالِثَةُ) يعني من مراتب الدين. ثلاثة مرتبة الإحسان، والإحسان في اللغة مشتقٌ من الحُسنِ، ويطلق على الإتقان والإجادة، نعم، والإحسان نوعان إحسانٌ في عبادة الخالق وهو المراد هنا في هذه المرتبة، وإحسانٌ في حقوق الخلق، وهو نوعان: إحسانٌ واجب، وإحسانٌ مستحب.