والثانية: المالية كالزكاة والذبح ونحوه، فتقوم بهذه العبادة على حالٍ وهيئةٍ ( «كَأَنَّكَ تَرَاهُ» ) أي ترى معبودك وتشاهده، فيبعثك ذلك على ماذا؟ على كمال الإخلاص لله عز وجل، وعلى كمال المتابعة بأن تتقن العبادة على وجهها وتحسن أداءها وهذه هي الدرجة الأولى من درجتي الإحسان، وهي الأصل والعظمى وهي درجة المراقبة، ( «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» ) وهذه مرتبة الإطلاع يعني إن لم تستحضر أنك ترى معبودك ها، ففاتك هذا المشهد حينئذٍ تستحضر أنك لن تغيب عنه البتة، فالله تعالى مطلعٌ عليك وهذه مرتبةٌ ثانية ( «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» ) تستحضر رؤيته ومشاهدته ( «فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ) جل وعلا، والدليل على هذين المرتبتين (قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128] ) هذا الدليل يشمل النوعين أو المرتبتين لأنه أطلق قال: ( {وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} ) محسنون في طاعة ربهم في العمل - يعني من حيث الاستحضار ومن حيث الاطلاع - ( {إِنَّ اللهَ مَعَ} ) وهذه معيةٌ خاصة لأنه قيده بوصفٍ ( {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ} ) يعني اتقوا المنهيات ( {وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} ) يعني أتوا بالطاعات، وهذا قلنا: عام، ووجه الاستدلال أن الله تعالى ذكر هنا معيته للذين اتقوا ولمن هم محسنون، وأنه تعالى مع المحسنين، وهذه المعية تقتضي اطلاعه عليهم، وأنه عالمٌ بهم لا يفوته شيءٌ من أحوالهم فهو محيطٌ بهم، حينئذٍ تقتضي هذه المعية نصرهم وتأيدهم ونحو ذلك.