إذًا الفرد والواجب بمعنًى واحد، وهي مفروضة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع لا خلاف فيها بين أهل العلم في الجملة، وتوعدوا من تركها، وفرضت الهجرة قبل فرض الصوم والحج، قبل أن يفرض الصوم والحج فرضت الهجرة (فَرِيضَةُ عَلَى هَذِهِ الأَمََّةِ) يعني أمة الإجابة (مِنْ بَلَدِ الْشِّرْكِ إَلَى بَلَدِ الإِسْلاَمِ) وهذا أكثر أهل العلم على هذا، حينئذٍ الهجرة أو ما يُسمَّى بالهجرة من بلد الشرك إلى بلد كفرٍ لا يسمى بهجرة، ولو كان أمكنه أن يظهر إسلامه في ذلك البلد لكن لا يُعبر عنه أو يسمى من حيث الشرع بأنه مهاجر، كما يقال الآن مهاجرون الآن إلى الغرب ونحوها، وهذا لا يسمى هجرة، وإن كان قد يجوز له أن يخرج من بلده وإذا كان الشعب مسلمًا لتمكنه أو أن يتمكن من إظهار دينه لا بأس بهذا أن يقال: بأنه قد يجب عليه لكن لا يسمى مُهاجرًا، لأن الهجرة إنما تكون من بلد الشرك من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، ولا يمكن أن يخرج من يخرج الآن من بلدٍ شعبه مسلم بقطع النظر عن شيءٌ آخر وإذا كان الشعب مسلمًا حينئذٍ نقول: مفارقة هذا الشعب إلى بلدٍ كافر لا يسمى في الشرع بأنه مهاجر، وإن كان قد يجب عليه من أجل إظهار دينه، على كلٍّ مراد أهل العلم بالشرع هنا تفسير الهجرة شرعًا الانتقال (مِنْ بَلَدِ الْشِّرْكِ إَلَى بَلَدِ الإِسْلاَمِ) ، فإذا انتقل من بلدٍ شرك لكنه ليس من حيث الشعب وإنما من حيث الحكم إلى بلد كفرٍ حينئذٍ لا يسمى مهاجرًا وإن كان قد يجب عليه ذلك، (وَهِيَ) أي الهجرة (بَاقِيَةٌ إَلَى أَنْ تَقُومَ الْسَّاعَةُ) يعني إلى قرب قيام الساعة هذا المراد (وَالْدَّلِيلُ على ذلك) على فرضيتها (قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} [النساء: 97] ) ، ( {الْملائِكَةُ} ) قيل: المراد به ملك الموت ومن معه من الأعوان أو هو وحده ويكون من باب إطلاق العام وإرادة الخاص، هذا جائزٌ في لسان العرب ( {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ) حال كونهم ( {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ) وهذا دليل الوجوب لأن الظلم إنما يقع لترك واجب أو فعل محظور، حينئذٍ يوصف بكونهم ظالمين لأنفسهم ... ( {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ) نقول: هذا هو الشاهد من النص، ظلموا أنفسهم بماذا؟ بالإقامة بين أظهر المشركين ( {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ) بالإقامة بين أظهر المشركين ( {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} ) أي قالت لهم الملائكة، هذا استفهام إنكارٍ لم مكثتم ها هنا وتركتم الهجرة؟ فهو إنكارٌ وتوبيخٌ وتقريع لهم، والمعنى في أي فريقٍ كنتم لأن الذي يُساكن المشركين الأصل أنه لا يساكنهم إلا لكونه منهم هذا هو الأصل وما عداه فينظر فيه بحاله ( {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} ) ، ( {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} ) أي عاجزين عن الهجرة والذهاب في الأرض ( {قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ} ) يعني إلى المدينة ( {فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} ) هذا وعيد ( {وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ} ) هذا استثناء ممن ظلموا أنفسهم أو ممن لا يشملهم الحكم الذي هو وصفهم بالظلم وما يترتب عليه من الوعيد