(قَالَ الْبَغَوِيُّ) أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء رحمه الله تعالى: (( سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي مَكَّةَ لَمْ يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمِانِ ) )وإذا ناداهم باسم الإيمان حينئذٍ ثبت لهم الإيمان ولا يكون ذلك الفعل موجبًا أو تركه موجب للخروج من الدين، (وَالْدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ الْسُّنَّةِ) يعني على وجوبها من بلد الشرك إلى بلد الإسلام (قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -) من حديث معاوية بن أبي سفيان ( «لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْتَّوْبَةُ، وَلاَ تَنْقَطِعُ الْتَّوْبَةُ حَتَى تَطْلُعَ الْشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» ) ، ( «لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ» ) الانقطاع هو عدم القبول هنا المراد له ... ( «حَتَّى تَنْقَطِعَ الْتَّوْبَةُ» ) ، يعني حتى لا تقبل التوبة ممن تاب، فما دامت التوبة مقبولة فالهجرة واجبةٌ بحالها، ما دامت أن التوبة موجودة مقبولة فحينئذٍ نقول الهجرة موجودةٌ فرتبها على ماذا؟ على وجود التوبة، ومعلوم أن التوبة متى تنقطع ( «وَلاَ تَنْقَطِعُ الْتَّوْبَةُ حَتَى تَطْلُعَ الْشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» ) إذًا لا تنقطع الهجرة حتى تطلع الشمس من مغربها. خَرَّجَهُ أبو داود والنسائي والبيهقي فهو أوان قيام الساعة فإذا طلعت الشمس من المغرب حينئذٍ لم تقبل توبة فلا هجرة.
إذًا هذه النصوص الثلاث التي أوردها المصنف تدل على ما أراده رحمه الله تعالى من أن الهجرة فريضةٌ على هذه الأمة أمة الإجابة من بلدٍ الشرك إلى بلد الإسلام، فكل من لم يتمكن من إظهار دينه والدعوة إليه حينئذٍ تُشرع له الهجرة أو يُشرع له الانتقال، فإن كان من بلد الشرك إلى بلد إسلام فهي هجرةٌ، وإن لم يكن كذلك فهو واجب لكنه لا يُسمى هجرة، حينئذٍ لا بد من استفاء شرطين:
الأول: القدرة، والثاني: عدم التمكن من إظهار دينه.
بمعنى أنه لا يجب عليه الهجرة إلا بشرطيها القدرة على ذلك أن يخرج لقوله: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ} ، ثانيًا عدم التمكن من إظهار دينه، فإن أمكنه أن يُظهر دينه لا تجب ولكنها تكون مستحبة، حينئذٍ الهجرة قد تكون فريضةً واجبة، وقد تكون مستحبة، فتجب عليه الهجرة يعني على القادر عليها مع عدم إمكان إظهار دينه وهذا يدل عليه آية النساء السابقة لأن الله تعالى وصفهم بأنهم ظالمون لأنفسهم بارتكابهم محرمًا بالإجماع. ثانيًا: من لا هجرة عليه وهو العاجز المستضعف عن الهجرة كالمريض أو المكره والولدان والنساء والضعفاء لقوله: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ} [النساء: 98] ويجب عليه اعتزالهم والصبر على أذاهم.
ثالثًا: من تُستحب له الهجرة ولا تجب وهو القادر على إظهار دينه حينئذٍ ثلاثة أحوال: من تجب عليه الهجرة، من تستحب له الهجرة، من لا تجب عليه من أصلها.