إذا هي مشتملة على نفي وإثبات (وَالْطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ) أو كثيرة أو كثيرون كما في بعض النسخ (وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ) يعني: أكبر الطواغيت بالاستقراء خمسة هم أكثر من ذلك لا حصر لهم، لكن خمسة هؤلاء هم الرؤوس: (إِبْلِيسُ) هذا رؤوسهم الأكبر (لَعَنَهُ اللهُ) اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، قد سَمَّى الله تعالى طاعة إبليس عبادة كما قال سبحانه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: 60] فيدخل فيه جميع أنواع الكفر والمعاصي {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي} [يس: 60، 61] إذًا سمى الله تعالى طاعة الشيطان عبادة فمن أطاع الشيطان ولو في معصية من المعاصي توجه إليه بشيءٍ من العبادة، (وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ) يعني: بتلك العبادة الحاصلة من العابد بأي نوعٍ من أنواعها فقلنا: (وَهُوَ رَاضٍ) اشترطه البعض من أجل إخراج الصالحين كالأنبياء وبعضهم عيسى عليه السلام، حينئذٍ نقول: النظر هنا في تعريف الطاغوت لا يكون باعتبار شخص الذي عُبِدَ من دون الله، وإنما يكون باعتبار من تَوَجَّهَ، وإذا توجه إلى أي شخصٍ كان حينئذٍ نقول هذا التوجه هو نوع طغيان والمتوجه إليه يكون طاغوتًا، فحينئذٍ هذا الاحتراز ليس عليه شيء واضح (وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ) يعني بتلك العبادة عُبِدَ من دون الله، (وَمَنْ دَعَا الْنَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ) وتعظيمه أي من دعا الناس إلى عبادة نفسه وإن لم يعبدوه صار طاغوتًا فإنه من رؤوس الطواغيت سواء أجيب لما دعا إليه أم لم يجب كفرعون، وقال بعضهم: من كان له حاجةٌ فليأت إلى قبري وليستغث بي. وهذا نقول: دعوة إلى عبادة غير الله تعالى.
الرابع: (وَمَنْ اِدَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ) يعني الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله تعالى كالمنجمين والعرافين ونحوهم {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] وهذا يعتبر طاغوتًا حينئذٍ يدخل فيه السحرة ويدخل فيه المنجمون والعرَّافون وغيرهم.