الخامس: والأخير: (وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ) تعالى كما قال سبحانه: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وجاء في آية هم الظالمون، وجاء في الثالثة هم الفاسقون، أوصاف متعددة لموصوفين مختلفين على الصحيح من أقوال أهل العلم، ثَمَّ أوصاف متعددة كفار ظلمة فسقه كلها أوصاف متعددة لموصوفين مختلفين يعني: بحسب ما يحمله على الحكم بغير ما أنزل الله، فإن اعتقد أن حكمه مثل حكم الله تعالى يعني: مساواة حكم غير الله بحكم الله أو أنه أصلح وأنفع للناس هذا كافرًا كفرًا أكبر مرتدًا عن الإسلام، وأما إذا لم يعتقد المثلية ولا الإصلاحية فهذا يكون ظالمًا وأما إذا حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله أصلح وأنفع وأن حكم غيره لا خير فيه ولكن حكم بغيره لهوًا وشهوةٍ فإنه يكون فاسقًا إذًا (وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ) نقول هذا فيه تفصيل قد يكون كافرًا كفرًا أكبر وقد يكون كافرًا كفرًا أصغر وأما قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] الأصل فيه أنه الكفر الأكبر لأنه محلى بأل وحينئذٍ باستقراء كلام الشرع أن الكفر إذا جاء محلًى بأل فهو الكفر الأكبر، فالأصل فيمن حكم بغير ما أنزل الله أنه كافرٌ كفرًا أكبر هذا هو الأصل، حينئذٍ يقال أنه كفرٌ دون كفرٍ فيما إذا كان في بعض المسائل التي حكم فيها بغير ما أنزل الله لشهوةٍ في نفسه أو هوى، وأما إذا جعله تشريعًا عامًا فهذا لا يدخل في مسألتنا، بل هو داخل في الأول أن من حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أنه مثل حكم الله أو أنه أصلح وأنفع فهذا كافر كفرًا أكبر وفرق بين المسألتين مسألة هي تشريعٌ عام، وبين حكمٍ في بعض المسائل دون بعض الأول لا يتأتي إلا النوع الأول بمعنى أنه لم يعتقد أنه أعتقد المثلية أو أنه أصلح وأنفع فمن شرع تشريعًا عامًا فلا شك أنه داخلٌ في هذا النوع، أنه يعتقد أنه أنفع وأصلح، وأما دعواه بلسانه أنه ليس بأنفع فغير مقبولة لأن المرء أو الإنسان من حيث هو إنسان إذا فعل شيئًا فالأصل فيه أن يكون ظاهره موافق لباطنه، فإذا استبدل الشريعة بقوانين وضعية ونحوها حينئذٍ نقول الأصل أنه كافر كفر أكبر ولا يتأتى الكفر الأصغر في مثل هذه المسألة البتة، فحينئذٍ يحمل على الأول، ولذلك نص شيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في شرحه هنا يقول: (فنقول: من لم يحكم بما أنزل الله استخفافًا به أو احتقارًا له أو اعتقادًا أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق أو مثله فهو كافرٌ كفرًا مخرجًا عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعاتٍ تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق. إذًا بمجرد فعلهم واستبدال الشريعة الإسلامية بشريعةٍ أخرى نقول: بمجرد الفعل دل على أنهم اعتقدوا أنها أنفع للناس وأنها أصلح.