يقول رحمه الله: (إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والْجِبِلَّة الفطرية) أمر عقلي واضح حسي مدرك بالحس أن الإنسان لا يعدل عن منهاجٍ إلى منهاجٍ يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه. هذا أمر واضح بيّن ولا يختلف أهل العلم السابقون على أن من استبدل الشرع بالشرع أنه لا يكون من أهل الإسلام في شيء، ولذلك قال في خاتمة كلامه (وهناك فرق بين المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا والمسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي بغير ما أنزل الله لأن المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا لا يتأتى فيها التقسيم السابق بل هو كفرٌ أكبر مطلقًا، ليس فيه تفصيل كفر أكبر وكفر دون كفر وإنما هي من القسم الأول فقط، لأن هذا المشرع تشريعًا يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد كما سبق الإشارة إليه. إذًا قوله:(وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ) أراد به من كفر كفرًا أكبر وهو من بدَّل الشريعة بقوانين ونحوها، أو يكون قد حكم بغير ما أنزل الله في بعض المسائل معتقدًا المثلية أو أنه أنفع ونحو ذلك. وأما ما يقال فيه أنه كفر دون كفر فليس في هذا البحث من شيء، والدليل قوله تعالى: يعني: على وجوب الكفر بالطاغوت والإيمان به (قَوْلُهُ تَعَالَى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْد مِن الْغَي فَمَن يَكْفُرْ بالطَّاغُوت وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256] ) {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} يعني لا تكرهوا أحدًا على الدخول في الإسلام {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْد مِن الْغَي} يعني فإنه واضحٌ بَيّن ظاهر جلي، الإسلام واضح وهو حق وإنما يراد منه أن يدخل فيه بإرادته واختياره، {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْد مِن الْغَي} ، {الْغَي} هو الضلال أي: تبين الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضلال {فَمَن يَكْفُرْ بالطَّاغُوت وَيُؤْمِن بِاللهِ} هذا معنى لا إله إلا الله {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ} ، {فَمَن يَكْفُرْ بالطَّاغُوت} في لا إله {وَيُؤْمِن بِاللهِ} إلا الله {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} أي تمسك بالتوحيد، فهو العروة الوثقى، وأمسك أي: أخذ به وتعلق واعتصم، والعورة الوثقى القوية التي لا تنفك ولا تنفصم، العروة موضع شد اليد، والوثاق تأنيث الأوثق وهي القوية التي لا تنفك.
ثم قال المصنف: (. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى(( لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ) )) يعني: ما في الآية فيها نفيٌ واثبات وهو معنى لا إله إلا الله، (وَفِي الْحَدِيثِ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الإِسْلاَمُ» ) ، ( «رَأْسُ الْأَمْرِ» ) أي الدين (الإِسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الْصَّلاَةُ) هذا فيه عظم شأن الصلاة، وأنها من الدين بهذا المكان العظيم فهو أن مكانها من الدين مكان العمود من الفسطاط، (وَذِرْوَةُ سِنَامِهِ) ذِروة وذَروةُ وذُروة مثلث الذال ذُروة الشيء أعلاه وذُروة البعير سنامه وهو أعلاه وأرفعه (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) دل على أن الجهاد أعلى شيءٍ في الدين لأنه بذلٌ للنفس. الحديث أخرجه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال: حسنٌ صحيح.