إذًا (أَنَّ اَلْلََّهَ خَلَقَنَا) المراد به إثبات أن الله تعالى متفردٌ بهذه الصفة، وأنه لا يَشْرَكُهُ أحدٌ من خلقه البتة، إذ الخلق صفة من صفات الرب جل وعلا، وصفاته كلها كمال، ولذا قال تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} [النحل: 17] يعني هذه أصنام التي تُعبد من دون الله لا تخلق إذًا هي ناقصة في نفسها، والناقص لا يستحق أن يُعبد، (خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا) يعني رزقنا النعم لأن الخلق ليس - كما سيذكره المصنف - الخلق السابق ليس الخلق كائن هكذا عبسًا، وإنما هو لحكمة وهي العبادة بمعنى أن الله تعالى (خَلَقَنَا) لعبادته (وَرَزَقَنَا) لنستعين، رزقنا النعم لنستعين بها على عبادته وطاعته، والرِّزق هو بكسر الراء اسم للعين المرزوقة، يقال: الرِّزق والرَّزق، الرَّزق هذا مصدر صفة لله عز وجل، وأما الرِّزق بكسر الراء فهو اسم للعين المرزوقة، يعني المخلوقة، فتقول: هذا رزق الله، وكذلك الماء رزق، لكن كون الله هو الذي رزقك حينئذٍ المتصف بصفة الرَّزق لا الرِّزق، إذ الرِّزق وصف للمخلوق. إذًا الرِّزق بكسر الراء اسم للعين المرزوقة، فهو ما ينتفع به كل مرزوق، وهو نوعان: خاصٌ، وعام.
الخاص هو الرزق الحلال للمؤمنين يعني الرزق النافع، وهو ما كان عونًا على طاعة الله تعالى، قال الله سبحانه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32] ، {خَالِصَةً} يعني خالصة للمؤمنين دون الكافرين، فالأصل في هذه النعم إنما خلقها الله عز وجل وأوجدها على هذه البسيطة من أجل أن يستعان بها على عبادته وطاعته، حينئذٍ الكافر الأصل أنه لا يستحق أن يستعمل هذه النعم وأن يتلذذ بها، ولذلك يحاسب عليها كما يحاسب على ترك الأوامر وعدم اجتناب المحظورات.
النوع الثاني: رزقٌ عام. وهو ما يحصل به قيام البدن مطلقًا سواء كان حلالًا أو حرامًا، سواء كان المرزوق مسلمًا برًا أو فاجرًا أو كافرًا، وعليه حينئذٍ نقول: الرزق شامل للحلال والحرام وليس خاص بالحلال كما ادعاه بعض المبتدعة، بأن الرزق خاص بالحلال، حينئذٍ الربا إذا أكل الربا نقول: هذا رزق، رزق الله عز وجل، لكن هل هو حلالٌ أو حرام يقول: هو حرام. فلا يستحق أن يستعمله أو أن يتعاطاه لكنه لا يخرج عن كونه رزقًا، لأن الله عز وجل قال سبحانه: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] حينئذٍ الرزق محصورٌ في الرب جل وعلا ولذلك يفرد الرب سبحانه بكونه رازقًا دون غيره من المخلوقات. قال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] وهذا حصر لأنه عرف الجزئين وأتى بضمير الفصل، {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} يعني: لا غيره كما قلنا في ما سبق {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ} إذًا لا غيره، كذلك هنا {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} أي لا غيره. وهذا يعتبر من صيغ الحصر.