الْمِلَّة هي الشِّرْعَة يقال: ملة فلان كذا أي نِحْلَتُهُ وشِرْعَتُهُ حينئذٍ تفسر بماذا؟ تفسر بمعنى الدّين، والدين هو ما شرعه الله على ألسنة رسله، هذا هو دين الله، إذا قيل: ما هو دين الله؟ نقول: ما شرعه الله عز وجل على ألسنة رسله، ثم ما هو متفق عليه بين الرسل أجمعين كالتوحيد وأصول التوحيد، ومنه ما هو مختلف باختلاف الشرائع وهو الفروع، (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) يعنى ملةً لإبراهيم، فالإضافة هنا لامية تفيد الاختصاص، وإنما نص على إبراهيم مع كون هذه الملة وهي عبادة الله تعالى وحده بالإخلاص عامة ليست لإبراهيم، بل هي لآدم وموسى وعيسى ومحمد وسائر الأنبياء والمرسلين، وإنما نص هنا المصنف على إبراهيم عليه السلام لكونه هو المذكور في القرآن، كما ذكرنا في الآيتين السابقتين ... {فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} أضافها الله عز وجل إلى إبراهيم لكونه إمامًا، ولأنه أبو الأنبياء، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى قومٍ كل يدعي أنه تابعٌ لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقريش تدعي أنها على ملة إبراهيم، وكذلك اليهود والنصارى قال الله عز وجل: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] . إذًا تفسر هذه الحنفية بأنها ملة إبراهيم لما ذكرناه أنه هو النص القرآني، ولأنه أبو الأنبياء، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث ِإلى قريش وهي تَدَّعِي أنها موصولة من حيث الدين بإبراهيم وقد كَذَبُوا في ذلك. ما هي هذه الحنفية التي هي ملة إبراهيم؟ (أَنْ تَعْبُدَ الْلَّهَ) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر هو خبر أن، أن الحنيفية (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) عبادة الله وحده، (مُخْلِصًا لَهُ الْدِّينَ) كأنه قال: عبادة الله بالإخلاص وترك عبادة ما سواه، والعبادة كما ذكرناه في اللغة هي الذل والخضوع، يقال: طريق معبد إذا وَطَّأَتْهُ الأقدام فهو مُذَلَّلٌ مُهَيَّأٌ للناس. قال الجوهري: أصل العبودية الخضوع والذل. وأما العبادة في الشرع فتُطلق بالمعنى المصدري حينئذٍ تفسر بعما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف لله عز وجل، وقد تفسر بالمعنى الاسمي العلمي وهو الذي ذكرناه فيما سبق عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بأنها اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.