(وَدَلِيلُ الْرَّغْبَةِ، وَالْرَّهْبَةِ، وَالْخُشُوعِ) جمع بينها لأنها متقاربة، فالرغبة رجاءٌ خاص، والرهبة خوفٌ خاص، والخشوع التطامن والذّل. إذًا كل منها قريبٌ من الآخر (وَدَلِيلُ الْرَّغْبَةِ) على أنها عبادة وهي نوعٌ من الرجاء بل هي أعلاه (وَالْرَّهْبَةِ) وهي نوعٌ من الخوف وهو منتهاه (وَالْخُشُوعِ) وهو الذل والخضوع (قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] ) هنا أثنى الرب جل وعلا على الأنبياء والمرسلين بهذه الآية فقال: ... ( {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا} ) هذا ثناء يعني من صفاتهم ومسارعتهم الخير بما أثنى الله تعالى به عليهم أنهم كانوا ( {يَدْعُونَنَا رَغَبًا} ) يعني في رحمتنا طلبًا في رحمتنا ( {وَرَهَبًا} ) يعني من عقوبتنا ( {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} ) أي خاضعين متذللين، وهنا قوله: ( {لَنَا خَاشِعِينَ} ) ، ... ( {خَاشِعِينَ} ) ، ( {لَنَا} ) الأصل ( {خَاشِعِينَ} ) ، ( {لَنَا} ) ، ... ( {وَكَانُوا} ) كان واسمها الواو و ( {خَاشِعِينَ} ) هذا خبر كان، ... و ( {لَنَا} ) متعلقٌ به لأنه اسم فاعل، وقدم ما حقه التأخير لإفادة الاختصاص، فالقصر والاختصاص. إذًا ثبت أن هذه الرغب والرهب والخشوع عبادات بدليل أن الله تعالى أثنى على المتصفين بها، وما أثنى الله عز وجل من جهة القول أو العمل أو على المتصفين بها دل على أنه عبادة وهو مرضيٌ للرب جل وعلا، حينئذٍ صرف هذه العبادات الثلاث لغير الله تعالى يكون شركًا، لقوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ... [الجن: 18] .
(وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ) والخشية خوفٌ يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علمٍ بما يخشى منه، ولذلك عرَّفه بعضهم بأنه خوفٌ مع علم، هو خوفٌ لكنه مقرونٌ بعلمٍ ولذلك قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28] . وهذا حاصلٌ يعني لا يخشى ولا يتصف بهذه العبادة القلبية إلا العلماء، إذًا ثَمَّ خوفٌ مقرونٌ بعلمٍ (وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} [البقرة: 150] ) ، ( {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} ) أي ولا تخشوا الناس فإني وليكم ( {وَاخْشَوْنِي} ) هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، فنهى المسلمين عن خشية الكفار ومن شاكلهم، وأمر بخشيته وحده جل وعلا حينئذٍ يكون عبادة وقد أمر الله عز وجل به فهو الذي يُخْشَى وحده، وقد أمر بخشيته وحده ونهى عن خشية غيره. ودليل الإنابة على أنها عبادة الإنابة قال في المفردات: هي الرجوع للشيء مرة بعد مرة. أناب إليه أي رجع إليه. قال بعضهم: الإنابة توبة مع رجوعٍ إلى حالٍ أحسن. يعني توبة مع استمرار، قد يتوب العبد من الذنب لكنه لا يستمر، فلا يكون منيبًا وإن كان تائبًا، لكنه إذا تاب واستمر على التوبة وعدم مقاربة الذنب فهو منيب، فكل منيبٍ تائب ولا عكس، فهي توبة وزيادة، يعني إقلاع عن الذنب مع العزم على عدد العودة والندم على ما مضى واستمر على ما هو عليه من عباداته، وهي نوعان:
إنابة لربوبيته جل وعلا وهذه يشترك فيها كل الخلق.